السومرية نيوز/
البصرة
المواطن كفاح سلمان نعمة جعل من غرفة نومه في بيته الواقع في حي
الخليج العربي (الجمعيات) معملاً يرفد محال بيع قطع غيار السيارات شهرياً بآلاف الأجهزة الالكترونية المستخدمة في إنارة السيارات وتنظيم شحن بطارياتها، ومع تنامي ثقة المستهلكين بأجهزته وتزايد الطلب عليها أخذ يسوقها الى معظم المحافظات، ولانها لا تقل جودة عن مثيلاتها المستوردة فهو لا يعاني من قسوة المنافسة، إلا أنه يشكو من غياب الدعم الحكومي.
الجودة سر النجاح
وقال نعمة البالغ من العمر 53 سنة في حديث لـ"
السومرية نيوز"، إن "عملي في تصنيع أجهزة تنظيم الإشارات الضوئية الجانبية وشحن بطاريات السيارات يعود الى عام 2004، ثم توسعت تدريجياً حتى أصبحت أنتج شهرياً ما لايقل عن ثلاثة آلاف جهاز بجهد فردي، وأحياناً بمساعدة زوجتي"، مضيفاً أن "ورشة العمل تقع في غرفة نومي، وبعض التجار وأصحاب محال بيع قطع غيار السيارات يواجهون أحياناً صعوبة في استيعاب هذه الحقيقة عندما يستفسرون عن عنوان المعمل".
ولفت نعمة الى أن "ما أنتجه متوفر لدى معظم محال بيع قطع غيار السيارات في البصرة، فيما تجد كميات من الأجهزة طريقها الى أسواق المحافظات، ومنها
بغداد والأنبار وكركوك"، معتبراً أن "الأجهزة المشابهة المستوردة من
الصين وإيران لا توثر كثيراً على عملي لان الأجهزة التي أنتجها سعرها أقل وجودتها أفضل، فضلاً عن كونها مضمونة لمدة ستة أشهر، حيث يمكن تعويض الجهاز غير الفعال بآخر جديد خلال فترة الضمان".
وأشار نعمة الذي تخرج في عام 1982 من
الجامعة التكنولوجية في بغداد ولم يحالفه الحظ بالحصول على وظيفة في القطاع العام الى أن "المواد الأولية للأجهزة التي أنتجها معظمها متوفرة محلياً، مثل الأسلاك والمقاومات والمكثفات والشرائح (الترانزستورات)، فيما كنت استورد العلب البلاستيكية والأغلفة الورقية والملصقات الترويجية التي تحمل اسم المنتج ومواصفاته من
سوريا قبل أن تعصف بها أعمال العنف".
من التقليد الى الإبتكار
بعد نجاحه في تصنيع أجهزة تستخدم في تشغيل الإشارات الضوئية للسيارات وتنظيم شحن بطارياتها يسعى المهندس كفاح سلمان نعمة منذ العام الماضي لتصنيع جهاز من ابتكاره لحماية محركات السيارات، وبين أن "الجهاز الجديد قيد الاختبار، ومن المؤمل أن أنتج الآلاف منه بعد أشهر قليلة، وهو يتولى فحص حالة مروحة المحرك المتصلة بالمبادل الحراري (الردياتير)، وفي حال تعطل المروحة لأي سبب فان الجهاز يصدر فوراً تنبيهاً ضوئياً وأخر صوتياً للسائق حتى لا يستمر في القيادة ويتعطل المحرك"، معتبراً أن "الجهاز سيضع حداً لقلق الكثير من سائقي السيارات الحديثة ذات المواصفات التي لا تأخذ بعين الاعتبار المناخ الحار للبصرة خلال فصل الصيف".
وتحدث نعمة بحزن حول الإهمال الذي يواجهه الصناعيون في ظل غياب الدعم الحكومي عن مشاريعهم، وأشار الى أن "المصارف الحكومية رفضت في العام الماضي منحي قرضاً ميسراً مازلت أتمنى الحصول عليه ليتسنى لي تطوير المشروع، والإنتقال به من البيت الى منطقة تجارية أو صناعية، وكذلك تصنيع المزيد من أنواع الأجهزة وقطع الغيار الكهربائية والالكترونية الخاصة بالسيارات".
صناعيون عاطلون
وبحسب رئيس اتحاد الصناعيين العراقيين في البصرة ماجد رشك عبد الله فإن "المهندس كفاح سلمان نعمة يشكل حالة تستحق الدعم والإهتمام"، مضيفاً أن "الاتحاد يرغب بتوفير الدعم له من خلال مساعدته في الحصول على قرض، فضلاً عن تخصيص قطعة أرض لمشروعه ليبني معملاً عليها، كما يمكننا أن نعرفه على مستثمرين عراقيين وأجانب ليتفق معهم على مشروع استثماري صناعي مشترك ينفذ بالاعتماد على خبرته ورؤوس أموالهم".
وبين عبد الله في حديث لـ"السومرية نيوز"، أن "القطاع الصناعي الخاص في البصرة يواجه تحديات كثيرة وكبيرة أسفرت عن إغلاق ما لايقل عن أربعة آلاف معمل وورشة عمل في غضون الأعوام الماضية، فيما لا يزيد عدد المعامل والورش المنتجة حالياً عن 1200"، معتبراً أن "إنعدام الدعم الحكومي أضعف بشدة القطاع الصناعي الخاص، والكثير من الصناعيين أصبحوا يواجهون البطالة".
مركز لدعم الصناعة
من جانبه، قال رئيس اتحاد رجال الأعمال في البصرة صبيح
الهاشمي في حديث لـ"السومرية نيوز"، إن "الاتحاد يحاول بإمكانياته الذاتية دعم القطاع الصناعي الخاص في المحافظة، ودعمنا لا يعوض غياب الدعم الحكومي، إلا أننا وفقنا في إفتتاح مركز تخصصي لتمكين ودعم الصناعيين"، موضحاً أن "المهندس كفاح سلمان نعمة عليه زيارة المركز للاستفادة من الخدمات والتسهيلات التي يوفرها، كما باستطاعتنا أن نساعده في الحصول على قرض لتوسيع مشروعه في ضوء وجود تعاون بيننا وبين منظمة أميركية تتولى تمويل المشاريع الصناعية الخاصة عبر منح أصحابها قروضاً تتراوح ما بين مائة ألف دولار وخمسة ملايين دولار".
واعتبر الهاشمي أن "كفاح سلمان نعمة وأمثاله يحييون الأمل بمستقل صناعي واعد، وبجهودهم يمكن الحفاظ على عبارة (صنع في البصرة) من الإنقراض، خاصة بعد أغلقت الكثير من المعامل الأهلية أبوابها لعدم وجود جدوى اقتصادية من تشغيلها في ظل إنعدام الدعم الحكومي وكثرة إنقطاع الكهرباء ووفرة المنتجات الأجنبية المنافسة في الأسواق المحلية".
يذكر أن البصرة تضم العديد المصانع والمعامل الحكومية، أهمها وأكبرها مصانع الورق والبتروكيمياويات والأسمدة والحديد والصلب، وكان القطاع الصناعي العام نشطاً حتى مطلع الثمانينات، إلا أنه تعرض الى إنتكاسة بعد حرب
الخليج الثانية في عام 1991 من جراء الحصار الاقتصادي الذي تسبب بفرض قيود على إستيراد المواد الأولية الصناعية، فيما إنتعش القطاع الصناعي الخاص خلال التسعينات بسبب الإتكال الإضطراري على الإنتاج الوطني، وظهرت في تلك الفترة مئات المعامل وورش العمل، لكن أغلبها توقفت عن الإنتاج بعد عام 2003 وسط غياب الإسناد الحكومي وتنامي عمليات الإستيراد من دون سيطرة نوعية مشددة، ولذلك لم تعد المعامل الأهلية تنتج الكثير، وعبارة (صنع في البصرة) أصبحت نادرة، ويمكن ملاحظتها فحسب على علب مياه الشرب، والتمور المعلبة في مكابس محلية، فضلاً عن أجهزة (القمة) التي ينتجها كفاح سلمان نعمة في غرفة نومه.