السومرية نيوز/
نينوى
يفتح الأطفال الذين بدأوا يزورون منتزه غابات
الموصل
مؤخرا أفواههم اندهاشا وهم يرون لأول مرة ديناصورا يتقافز وسطها برشاقة، ويصرخ بهم
قائلا "أنا أكبر حيوان في التاريخ.. تعالوا وشاهدوا ماذا أفعل"، قبل أن يتظاهر
بالهرب خائفا منهم.
ووسط تجمهر الأطفال المندهشين الذين استطاعوا بعد جهد
محاصرة أعضاء فرقة (صباح الخير) للمس الديناصور وصديقه الرجل الوطواط، يتضح تعطشهم
وتشوقهم لرؤية عروض لم يروها سابقا في مدينة مازالت تسجل أكبر معدلات العنف بين المدن
العراقية منذ سقوط نظام
صدام حسين في العام 2003.
ويعرب "الديناصور"
محمد أحمد (22 سنة) وهو
أحد أعضاء فرقة "صباح الخير" المؤلفة من
مجموعة من الشباب عن سعادته بتجمع
الاطفال حوله وأفراد فرقته وهم يؤدون أدوار ميكي ماوس والقرد والوطواط والمهرج، ويقول
إنه "انجاز أن نقدم هذه العروض في شوارع مدينة الموصل بعد انخفاض مستوى العنف
فيها".
ويضيف أحمد في حديثه لـ"السومرية نيوز"، وكان
مشغولا بجذب انتباه الاطفال والأسر التي تزور غابات الموصل عصرا للترفيه، لمشاهدة العروض
التي يقدمها مع زملائه "أرى أن تقديم هذه العروض يعد بداية جيدة لعودة مسرح الطفل
إلى المدينة"، ويلفت بالقول "عرضنا في الموصل هو الأول فيها وسبق لنا أن
قدمنا عروضا أخرى في
بغداد وإقليم
كردستان وفي
سوريا خلال السنوات الماضية".
وتعتبر منطقة الغابات في الموصل من المناطق السياحية
والترفيهية الرئيسية في المدينة وشهدت خلال السنوات الماضية حصول العديد من أعمال العنف
إلا أنها عادت مؤخرا لاستقبال زوارها بعد انخفاض مستوى العنف.
ميكي ماوس: حولنا الشوارع لمسرح ومتعتنا حضور الأطفال
ويعترف أعضاء فرقة "صباح الخير" بان عدم
وجود مسارح خاصة لتقديم عروضهم "أمر مؤسف" إلا انهم يؤكدون أنهم استطاعوا
الارتجال وتحويل الشارع إلى مسرح من أجل إدخال البهجة إلى جمهورهم الصغير.
ويقول علي أحمد (20 سنة) والذي يلعب دور ميكي ماوس
"بصراحة، إدخال البهجة والسرور إلى قلوب الاطفال هو أهم شيء بالنسبة لنا، ولم
يعد وجود مسرح خاص بنا مهما"، ويوضح "لجأنا لتقديم عروضنا في الشوارع أو
على الارصفة والكازينوهات واستطعنا تحويلها إلى مسارح لنا".
ويستدرك أحمد في حديث لـ"السومرية نيوز" "المهم دائما لدينا هو حضور الجمهور لمشاهدتها"،
حسب تعبيره.
من جهته، يبدو مؤسس الفرقة سعد الهلالي، 42 سنة أكثر
تفاؤلا بإمكانية نجاح الفرقة في تقديم عروضها خصوصا مع قرارها بتقديم عروض أسبوعية
مجانية للتعريف بها.
ويوضح الهلالي لـ"السومرية نيوز"، أن
"فكرة تأسيس فرقة مسرحية تولدت قبل أربع اعوام من قبل 11 شابا وأطلقنا عليها اسم
صباح الخير، إلا أن الوضع الامني في الموصل منعنا في السابق من تقديم عروضنا"،
ويبين أن اختيار اعضاء فرقته للعب شخصيات كارتونية مثل ميكي ماوس وبطوط والرجل الوطواط
وشخصيات أخرى "جاء بسبب حب الأطفال لها".
ويؤكد الهلالي أنه قام بصناعة ملابس هذه الشخصيات "من
الملابس الزائدة عن الحاجة وبمساعدة عدد من الشباب الموهوبين"، لافتا إلى أن
"اعضاء الفرقة يقدمون أيضا عروضا بهلوانية ورياضية وتمثيلية وموسيقية".
ويتابع الهلالي "عروض الفرقة مجانية وكل أسبوع
تقريبا، فضلا عن أنها تقدم عروضا أخرى خلال مناسبات مختلفة مثل يوم الطفل أو يوم اليتيم
أو يوم المرأة، معربا عن أمله بأن يتم توفير مسرح لتقديم عروض الفرقة فيها للأطفال
بدلا من الشوارع والساحات العامة".
صاحب مطعم: عروضهم المجانية جعلتهم سفراء النوايا الحسنة
وقد جذبت هذه العروض اهتمام اصحاب المطاعم في منطقة
غابات الموصل ووجدوا في عروض الدمى التي تقدمها الفرقة عاملا مهما لجذب الزائرين للمنطقة
وتناول الطعام في مطاعمهم، معتبرين ان تقديم هذه العروض مجانا هو أمر يحسب لهؤلاء،
وهو ما تؤكده العائلات أيضا.
ويقول صاحب أحد المطاعم في منطقة الغابات أبو أحمد،
43 سنة "أنا أطلب باستمرار منهم لتقديم عروضهم في المطعم لأن تواجدهم يجذب الأسر"،
مبينا أن "جميع المطاعم والكازينوهات (أماكن الترفيه) في منطقة الغابات ترغب بفتح
أبوابها لهم منذ أن بدءوا قبل فترة قليلة بتقديم عروضهم لأنهم يجذبون الأطفال".
ويتابع أبو احمد "المفارقة أنهم يقدمون هذه العروض
مجانا من دون مقابل فأنا شخصيا أسميهم أصحاب القلوب النظيفة وسفراء النوايا الحسنة
وأصدقاء الأطفال".
ويؤكد أحد زوار منطقة الغابات، وهو جاسم فريد 35 سنة
أنه منذ بدء الفرقة بعروضها في منطقة الغابات قبل فترة قصيرة، أصبح يأتي باستمرار مع أطفاله
جاسم وعلي وحنان من اجل مشاهدة العروض التي يقدمها هؤلاء الشباب، ويقول "يطلبون
مني دائما الذهاب لمشاهدة عروضهم".
ويلفت فريد في حديثه لـ"السومرية نيوز"، إلى
أن "عدم ثبات الفرقة بمكان معين يدفعنا عادة للبحث عنهم في الشوارع التي غالبا
ما يقدمون بها عروضهم التي تسعد أطفالنا وتسعدنا نحن الكبار أيضا".
نقابة الفنانين: هناك مسرح واحد للطفل وهو عبارة عن
"خربة"
وتشير نقابة فناني نينوى بطريقة أكثر وضوحا إلى الأوضاع
المتردية لمسرح الطفل في الموصل وتؤكد أن المسرح الوحيد للطفل بالمدينة هو عبارة
"خربة".
ويقول نقيب الفنانين في نينوى تحسين الحداد إن
"مسرح الطفل في الموصل يعاني من الفقر والإهمال إلى حد كبير"، ويضيف
"لا توجد مخصصات مالية لنشاطات مسرح الطفل ولا توجد قاعات للعرض".
ويضيف حداد في حديث لـ"السومرية نيوز" أن"
الموصل تمتلك قاعة واحدة ومسرح واحد وهو مسرح الربيع الذي يعاني الخراب بسبب الأعمال
الارهابية التي طالته في الفترات السابقة التي مرت بها المدينة"، مؤكدا أن
"أطفال المدينة يحتاجون إلى العروض المسرحية خصوصا بهذه الفترة التي تشهد استقرارا
أمنيا في المدينة".
ثقافة الاطفال: الدعم المالي مفقود وأصبحت عروض الشوارع
مصدرا للرزق
ويتناقض مسؤولو
وزارة الثقافة في ما بينهم بشأن
مستقبل ثقافة الأطفال في
العراق ففي الوقت الذي يؤكد البعض أن الوزارة مستعدة
لتمويل أي مشروع لدعم ثقافة الأطفال، فإن مسؤولين آخرين في الوزارة يؤكدون أن حال
مسرح الطفل ستستمر على ما هي عليه بسبب "عدم وجود دعم مادي لمثل هذه العروض من
قبل الجهات الرسمية فضلا عن عدم وجود قاعات للعرض".
ويقول مدير دار ثقافة الاطفال في نينوى التابعة لوزارة
الثقافة عبد الله جدعان إن "مسرح الطفل في الموصل فقير جدا ويحتاج للدعم المادي وأيضا
لقاعات العرض المتخصصة".
ويضيف جدعان في حديث لـ"السومرية نيوز" أن
"هذا الامر جعل بعض الفنانين يتجهون الى تقديم فعاليات بهلوانية في الكازينوات
او الأماكن العامة من أجل ان يحولوها الى مهنة أو مصدر لكسب الرزق"، مبينا أن
"مسرح الطفل موجود فقط حاليا بشكل رسمي من خلال الفرق المسرحية التي تتبناها مديرية
النشاط المدرسية التي تعنى بمسرح الطفل وتقدم العروض في المدارس".
من جانبه، يقول وكيل وزارة الثقافة فوزي الاتروشي إن
"الوزارة مستعدة لتمويل اي مشروع متكامل للدمى اذا ما قدمته اي جهة للوزارة سواء
من ميزانية الوزارة الاعتيادية او من ميزانية بغداد عاصمة للثقافة العربية 2013."
ويضيف الاتروشي في حديث لـ"السومرية نيوز"
أن "الوزارة ترحب بكل مشاريع ثقافة الأطفال سواء كانت لمسرح الدمى أو غيره"، لافتا إلى أن "الوزارة
ستضع حجر الأساس لمدينة الطفل الثقافية ببغداد خلال الايام القليلة المقبلة ضمن مشروع
بغداد عاصمة الثقافة العربية (2013) وسيكون الاكبر في مجال ثقافة الطفل في العراق".
ودعا الاتروشي الفرق المسرحية المتخصصة بثقافة الاطفال
أو مسرح الطفل إلى "تقديم مشاريع متكاملة للمشاركة في بغداد عاصمة الثقافة العربية
2013"، وبين أن "تلك المنشاريع إن كانت متكاملة فستحصل على تمويل من الوزارة
بعد مناقشة القائمين عليها".
وتشهد مدينة الموصل حراكا فنيا محدودا بعد انخفاض معدل
اعمال العنف فيها إذ جرى عرض عدد من العروض للمسرح المختصة بالاطفال فضلا عن إقامة
مهرجانات فنية نظمت من قبل
وزارة التربية والثقافة.
يذكر أن مدينة الموصل شهدت أول عرض مسرحي في العام
1886 وقدم على خشبة كنيسة الاباء الدومنيكان، من قبل الفنان حنا حبش، وتعد تلك الإنطلاقة
الأولى للمسرح في الموصل. وفي منتصف
القرن العشرين انتعش المسرح على يد الجيل الذي
أثرى المسرح في ذالك الوقت وهم يحيى قاف وطه العشبة ومنير عبد فليح وعلي احسان الجراح
ويوسف السواس وشفاء العمري وحسن فاشل وعبد الواحد
إسماعيل.