القضية، التي بدأت بفضائح تتعلق باستئجار الرصيف 41 في ميناء
خور الزبير بمحافظة
البصرة، سرعان ما اتسعت لتكشف عن شبكة تهريب دولية متورطة بخلط النفط الإيراني بالعراقي وتصديره بوثائق مزورة، ما أدى لاحقًا إلى تدخل
وزارة الخزانة الأمريكية وفرض عقوبات مباشرة على أوميد وشركاته في 3 تموز 2025.
إلا أن المفارقة الأبرز تكمن في أن التحقيقات العراقية التي أعلنت منتصف تموز 2025 أُغلقت فجأة دون إعلان النتائج أو محاسبة المتورطين، الأمر الذي طرح تساؤلات واسعة عن الأسباب الحقيقية وراء هذا الصمت، وحجم الضغوط السياسية والإقليمية التي مورست لغلق الملف.
من هو "أوميد"؟
يحمل سالم أحمد سعيد، الجنسية البريطانية أيضًا، وعُرف في الأوساط التجارية باسم "أوميد حاجي أحمد".
وخلال السنوات الماضية، بنى شبكة شركات واسعة تُعرف محليًا باسم "أسطول الظل"، تضم شركات للنقل والتخزين والتصدير، إضافة إلى أسطول من الناقلات البحرية الصغيرة والمتوسطة.
ووفق وثائق مسرّبة، فإن شركات أوميد استخدمت عقودًا رسمية كغطاءً لعمليات تهريب ضخمة، مستفيدة من ضعف الرقابة على المنافذ البحرية والبرية.
الرصيف 41.. نقطة البداية
في عام 2021، حصلت إحدى شركات أوميد على عقد استئجار الرصيف 41 في ميناء خور
الزبير، مع خزانات أرضية وعائمة لتخزين النفط الأسود.
لكن منذ بداية التشغيل، ظهرت شبهات بوجود عمليات خلط ممنهجة للنفط الإيراني بالعراقي داخل هذه الخزانات، قبل إعادة تصديره تحت هوية نفط عراقي رسمي.
تقرير أولي للجنة برلمانية في 2022 أشار إلى أن "عوائد الإيجار الشهرية أقل بكثير من قيمتها السوقية، وأن هناك ثغرات في العقد مع
سومو تتيح للشركة المستأجرة التصرّف بكميات غير محددة من النفط".
ورغم ذلك، استمر العمل بالعقد حتى فرضت
واشنطن عقوبات على الشركة المالكة في تموز 2025.
العقوبات الأمريكية
وفي 3 تموز 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) إدراج أوميد وعدد من شركاته في القائمة السوداء، وتضمنت التهم تهريب النفط الإيراني منذ 2020 بمليارات الدولارات وتزوير مستندات تصدير النفط بالتعاون مع مسؤولين عراقيين. ودفع رشاوى لتسهيل مرور الشحنات وتمويل شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني (فيلق القدس).
كما شملت العقوبات تجميد الأصول، منع التعاملات التجارية، وإخراج الرصيف 41 من الخدمة، ما شكل ضربة مباشرة للميناء وللعراق ككل.
التحقيقات العراقية
وفي 5 تموز 2025، أعلنت
لجنة النزاهة النيابية فتح تحقيق شامل في عقود أوميد، شمل التعاقدات مع شركة VS Oil Terminal. ودور سومو وشركة الناقلات النفطية والإيرادات الفعلية للعقود مقارنة بالكلف وشبهات تهريب عبر المنافذ البرية والبحرية.
ودعت اللجنة مدير عام شركة الناقلات النفطية للاستجواب، إلا أن حضوره تأخر بحجة المرض. لاحقًا، وُجهت الدعوات إلى مسؤولين آخرين، لكن أغلب الجلسات أُجلت أو أُفرغت من محتواها بفعل ضغوط سياسية.
مصادر برلمانية أكدت أن ملفات مالية وإدارية تضمنت أسماء ومبالغ وحسابات مصرفية مرتبطة بشبكة أوميد، لكنها لم تُعلن للرأي العام.
لماذا أُغلقت التحقيقات؟
ورغم الزخم الإعلامي والسياسي، توقفت إجراءات التحقيق فجأة. وطرح مراقبون 3 أسباب رئيسية وهي "تجنّب العقوبات الدولية حيث ان الكشف عن حجم التهريب قد يضع
العراق في مواجهة عقوبات ثانوية من واشنطن أو
الاتحاد الأوروبي إضافة الى تورط مسؤولين كبار بعدما كشفت وثائق داخلية وجود أسماء لمسؤولين حزبيين وحكوميين تسلموا مبالغ لقاء تسهيل عقود أوميد فضلا عن حسابات سياسية – إقليمية حيث ان فضح الملف قد يُحرج
الحكومة العراقية أمام
إيران، ويؤثر على التوازنات الإقليمية كون النفط المهرب إيرانيا.
التداعيات على العراق
وذكر مراقبون ان "تهريب النفط وخلطه يضر بسمعة العراق كمصدر موثوق، ويهدد بخسارة مليارات الدولارات من العوائد الرسمية كما ان إغلاق التحقيقات دون محاسبة يضعف الثقة بالبرلمان والقضاء"، لافتين الى ان "استمرار الملف دون حسم قد يجعل العراق عرضة لعقوبات أمريكية وأوروبية ثانوية".
وحذروا من ان "القضية تكشف هشاشة نظام التعاقد النفطي، وضعف الرقابة على المنافذ البحرية"، موضحين ان "
تجاهل هذا الملف سيجعل العراق مرتهنًا لضغوط خارجية، خصوصًا مع وجود وثائق بيد الأميركيين تثبت حجم التهريب".
وشددوا على ضرورة "إعادة فتح التحقيق بإشراف قضائي مستقل مع سن قانون يمنع التعاقد مع كيانات مشمولة بالعقوبات الدولية والزام سومو بالكشف عن جميع العقود السابقة واللاحقة وتفعيل التعاون مع المنظمات الدولية لتعقب السفن المشبوهة واعتماد أنظمة مراقبة إلكترونية في الموانئ وحقول النفط".
ولف "أوميد" ليس مجرد قصة فساد نفطي، بل يعكس تشابك المصالح بين رجال أعمال نافذين وجهات رسمية وأطراف إقليمية.
ورغم العقوبات الأمريكية والتحقيقات البرلمانية، يبقى السؤال:
هل سيُعاد فتح الملف وتتم محاسبة المتورطين، أم سيُضاف إلى سجل طويل من القضايا التي أُغلقت سرًا؟
ويبقى الرصيف 41 شاهدًا صامتًا على واحدة من أضخم عمليات التلاعب بثروة العراق منذ 2003 وحتى اليوم، وفقا لخبراء اقتصاديين.