ومع تصاعد المخاوف من موجة غلاء جديدة، برزت تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولة على ضبط الإيقاع المالي. إلا أن القراءة المتأنية لمشهد "السياسة النقدية" والقرارات الحكومية الأخيرة، تؤكد أن
الدولة العراقية باتت تمتلك اليوم "مصدات" هيكلية ورقمنة شاملة تمنع تحول هذا الارتفاع المؤقت إلى أزمة اقتصادية مستدامة.
استراتيجية "السعر الموحد": الموازنة كصمام أمان
أولى الدلائل على قوة السياسة المالية تكمن في "الاستقرار التشريعي". فبينما يضطرب السوق الموازي، خاطب
البنك المركزي العراقي وزارة المالية رسمياً بشأن موازنة عام 2026، مؤكداً بقاء سعر الصرف عند 1300 دينار للدولار الواحد.
هذا الإصرار على تثبيت السعر للسنة الثالثة على التوالي يبعث برسالة حاسمة للمضاربين بأن الدولة لن تنجر وراء تقلبات "السوق السوداء".
وتعمل هذه المنظومة وفق تسلسل مالي دقيق يمنع الهدر:
وزارة المالية: تبيع الدولار للبنك المركزي بسعر 1300.
البنك المركزي: يغذي المصارف بسعر 1310.
المصارف: تبيعه للتجار والجمهور لأغراض التحويل الخارجي بسعر 1320.
وبقاء السعر الرسمي ثابتاً في الموازنة يعني أن كافة السلع الأساسية والمواد الأولية المدعومة حكومياً لن تتأثر بـ"طفرات" السوق الموازي.
ويعزو حيدر غازي، مسؤول إعلام البنك المركزي العراقي، الارتفاع الأخير في السوق الموازية إلى سبب تقني وتنظيمي بحت، وهو "الرسم الجمركي المسبق". فالعراق اليوم لم يعد يعمل بالآليات التقليدية العتيقة؛ بل انتقل إلى نظام (أسيكودا - ASYCUDA) العالمي لإدارة
الجمارك.
هذا النظام فرض على التاجر جلب "التصريحة
الجمركية" الرقمية قبل أن يتم التحويل المصرفي له. هذا الإجراء، وإن تسبب بضغط "وقتي" نتيجة محاولة بعض التجار الهروب من
الضرائب واللجوء للدولار النقدي من السوق السوداء، إلا أنه في الحقيقة يمثل "عملية جراحية" لتنظيف الاقتصاد من غسيل الأموال والتهريب. وبمجرد اكتمال اندماج التجار في هذا النظام الرقمي، سيتلاشى الطلب على الدولار الموازي لأن التجارة عبر القنوات الرسمية (بـ 1320) ستكون أرخص وأكثر أماناً من الشراء من السوق السوداء (بـ 1490).
أما المستشار المالي لرئيس الوزراء،
مظهر محمد صالح، يضع النقاط على الحروف بتشخيص أكاديمي دقيق؛ حيث يرى أن تذبذب الدولار حالياً هو "تذبذب وقتي ومؤقت". والسبب وراء هذا الاطمئنان هو أن سعر الصرف الموازي "انفصل عملياً" عن مستوى الدخول والاستهلاك الحقيقي للمواطنين.
ما يؤكد نجاح هذه السياسات هو الانخفاض الذي سجلته أسواق
بغداد صباح اليوم الأحد، حيث بدأ الدينار باستعادة عافيته فور صدور البيانات الرسمية وتوضيحات البنك المركزي.
وفي النهاية، فإن الحكومة والبنك المركزي لا يكتفيان بدور "المراقب"، بل يعملان وفق "تكامل مؤسساتي" يربط بين ثبات سعر الصرف في الموازنة الاتحادية (1300)، رقمنة الجمارك عبر نظام الأسيكودا للقضاء على التجارة الخفية، وتوفير العملة النقدية للمسافرين والمستوردين الحقيقيين عبر المصارف.
هذه الثلاثية تمثل "درعاً واقياً" يمنع أي محاولة للمضاربة من تحقيق أهدافها. والرسالة الموجهة للسوق اليوم واضحة: "السياسة المالية والاجرءات النقدية هي صاحبة الكلمة العليا، والدينار العراقي مسنود بإرادة تشريعية واحتياطيات نقدية دولية متينة". وبالتالي، فإن أي صعود للدولار سيبقى محكوماً بسقف "الوقتية" ولن يتحول إلى واقع اقتصادي مفروض.