ورغم تأثر السوق العراقية جزئياً بارتفاع الدولار عالمياً، إلا أن مؤشرات حكومية واقتصادية ترجّح توجه الأسعار نحو الانخفاض خلال الفترة المقبلة، مدفوعة بحزمة إجراءات نقدية وأمنية ومالية تستهدف تجفيف منابع المضاربة، وضبط السوق الموازي، وتعزيز التعامل بالقنوات الرسمية.
تضييق الخناق على المضاربين
مصادر حكومية أكدت لـ
السومرية نيوز، أن "السلطات فعّلت إجراءات استباقية واسعة لاحتواء الارتفاع الأخير في سعر الصرف، تمثلت بتعزيز الرقابة الميدانية على أسواق بيع وشراء العملة، وملاحقة الجهات التي تمارس المضاربة خارج الأطر القانونية".
وبحسب المصادر، فإن "الهدف الأساسي من هذه الإجراءات هو الحد من الطلب الوهمي على الدولار، الذي تقوده المضاربات غير المشروعة، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي البالغ 1320 ديناراً للدولار الواحد، والسعر المتداول في السوق الموازي".
وترى الحكومة أن "استقرار سعر الصرف لا يمكن تحقيقه من دون تجفيف مصادر ما يُعرف بالدولار السياسي والدولار المهرّب، وتحويل الكتلة النقدية نحو المصارف الرسمية التي توفّر العملة للتجار والمواطنين وفق ضوابط واضحة وأسعار ثابتة".
أسباب الارتفاع…
قراءة حكومية
وفي هذا السياق، أوضح مستشار
رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية،
مظهر محمد صالح، أن "تقلبات سعر صرف الدولار في السوق الموازية ترتبط بعوامل نفسية ومعلوماتية أكثر من ارتباطها بأساسيات الاقتصاد".
وقال صالح إن "أسواق الصرف تُعد من أكثر الأسواق حساسية لتدفق المعلومات، ولا سيما الشائعات أو التطورات الجيوسياسية الإقليمية والدولية"، مشيراً إلى أن "الدولار، إلى جانب الذهب، يُنظر إليه كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين، ما يرفع الطلب عليه مؤقتاً".
وأضاف أن "هذه الارتفاعات لا تنعكس جوهرياً على مستوى المعيشة"، لافتاً إلى أن "غالبية السلع تُموّل بسعر الصرف الرسمي الثابت، والمدعوم باحتياطيات أجنبية قوية، فضلاً عن سياسات دعم السلع الأساسية".
حملة أمنية مستمرة
على الأرض، تؤكد
الأجهزة الأمنية أن حملتها لملاحقة المتلاعبين بسعر الدولار ما تزال متواصلة في
بغداد وعدد من المحافظات.
وقال مصدر أمني لـ
السومرية نيوز إن "القوات الأمنية ألقت القبض خلال الأيام الماضية على عدد من المضاربين في أسواق محلية مختلفة، استناداً إلى معلومات استخبارية دقيقة"، موضحاً أن "الحملة تشمل متابعة محال الصيرفة غير المجازة والأفراد الذين يتاجرون بالعملة خارج الأطر القانونية".
وأشار إلى أن "هذه العمليات تُنفذ بالتنسيق مع البنك المركزي والجهات الرقابية، لضبط السوق الموازي ومنع استغلال حاجة المواطنين".
وكانت
وزارة الداخلية قد أعلنت سابقاً عن إلقاء القبض على 91 شخصاً بتهمة التلاعب بأسعار الدولار.
احتياطيات قوية وسلاح المنصة
اقتصادياً، تمثل احتياطيات
العراق من العملة الصعبة خط الدفاع الأول عن الدينار، إذ يستخدمها البنك المركزي لتغطية الطلب الحقيقي المرتبط بالتجارة الخارجية واحتياجات المسافرين.
ويؤكد خبراء أن "التوسع في تمويل الاستيرادات عبر المنصة الإلكترونية والمصارف المراسلة يقلل من اعتماد التجار على السوق السوداء، ما يؤدي تلقائياً إلى تخفيف الضغط على أسعار الصرف في السوق الموازي".
ملف دولار المطار تحت المجهر
وفي موازاة الإجراءات النقدية، أعادت
وزارة المالية فتح ملفات فساد مرتبطة ببيع الدولار للمسافرين في
مطار بغداد الدولي.
فقد استُدعي أكثر من 20 مسؤولاً وموظفاً في
مصرف الرافدين للتحقيق، على خلفية شبهات تتعلق بالتلاعب وتهريب العملة.
وكانت وزيرة المالية
طيف سامي قد أصدرت قراراً بسحب يد مدير المصرف وعدد من المسؤولين، في خطوة وُصفت بأنها رسالة حازمة بأن الدولار المدعوم مخصص حصراً للمستحقين، وأن أي تلاعب سيواجه بإجراءات صارمة.
خبراء: النتائج تحتاج وقتاً
ورغم التفاؤل الرسمي، يرى خبراء اقتصاديون أن انعكاس هذه الإجراءات على أسعار الصرف يحتاج إلى نَفَس طويل، مؤكدين أن الحل المستدام لا يقتصر على الملاحقات الأمنية، بل يتطلب إصلاحات أعمق تشمل استقرار القوانين المالية والضريبية، وتقليل الاعتماد على الاقتصاد النفطي، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتوسيع الشمول المالي.
ومع استمرار الضغط الحكومي على منافذ بيع الدولار، وتشديد الرقابة على المصارف والأسواق، تترقب الأوساط الاقتصادية نتائج التحقيقات والإجراءات الحالية، وسط ترجيحات بأن تشهد أسعار الدولار الموازي تراجعاً ملموساً مع إحكام السيطرة على منابع المضاربة واستعادة هيبة الدولة في إدارة الملف النقدي.