Alsumaria Tv

تجاوز الاختصاص في تفسير القوانين

2025-08-03 | 12:09
Alsumaria Tv https://www.alsumaria.tv/authors
تجاوز الاختصاص في تفسير القوانين

نائب رئيس محكمة التمييز الاتحادية
القاضي كاظم عباس الخفاجي
يُعد قضاء الأحوال الشخصية من أكثر أنواع القضاء التصاقاً بالإنسان وخصوصياته، إذ يمسّ قضايا جوهرية مثل الزواج، الطلاق، النسب، النفقة، الحضانة، والإرث. ولذا، فإن من يتولّى الفصل في هذه القضايا ينبغي أن يتحلى بحسّ إنساني عالٍ، وبنَفَسٍ قضائي طويل، ونزعة تصالحية تسعى إلى لَمّ شمل الأسرة وتغليب مبدأ العدالة الاجتماعية على الحرفية القانونية المجردة.

فالمشرّع حين سنَّ قوانين الأحوال الشخصية، لم ينطلق فقط من قاعدة قانونية صلبة، بل استبطن خصوصية الأسرة في البناء الاجتماعي، وضرورة أن يكون القاضي أكثر حرصًا على الحفاظ على كيانها من تمزقها ولهذا، فإن النص القانوني في هذا الميدان يجب أن يُقرأ بروح العدالة، لا بحرفية الزجر والردع.
ورغم ما يعيشه المجتمع العراقي من تحولات اقتصادية واجتماعية ضاغطة، وما نتج عنها من ارتفاع الخط البياني في عدد النزاعات الأسرية المعروضة على محاكم الأحوال الشخصية في عموم البلاد، فإن هذه المحاكم (بدعم من محكمة التمييز الاتحادية) أثبتت قدرة عالية على التصدي لتلك النزاعات بروح القانون. وأرست، من خلال قراراتها التمييزية، مبادئ اجتهادية حافظت على كيان الأسرة العراقية، ومنعت زعزعة بنيتها التكوينية.
إلا أن هذا الحقل القضائي الخاص لم يَسلم من تدخلات خارجية. فقد تحوّلت قضايا الأحوال الشخصية في السنوات الأخيرة إلى مادة إعلامية مبتذلة، يجري تداولها على منصات التواصل الاجتماعي بلا وعي ولا ضوابط، بل وبلا فهم لطبيعة هذه الملفات الحساسة. فأصبحت مفردات مثل (الطلاق، الحضانة، المادة ٥٧، النفقة، التفريق…) تتناقلها ألسنٌ لا تُفرّق بين مفهومٍ قانوني واجتهادٍ قضائي، وتُطرح في فضاءات إعلامية مفتوحة تُروّج شعارات خادعة عن حقوق المرأة أو الطفل، دون استناد إلى قانون أو قاعدة فقهية.
ورغم أن هذه الفوضى الإعلامية لم تنجح في التأثير على قناعات قضاة محاكم الأحوال الشخصية، الذين واصلوا تطبيق القانون وفق ضمائرهم واستقلالهم المهني، فإن الخطر الحقيقي لم يأتِ من الإعلام، بل من المحكمة الاتحادية إبّان رئاسة جاسم العميري لها، حيث أصرّ على تجاوز الصلاحيات الحصرية لمحكمته والتدخّل السافر في اختصاص محاكم الأحوال الشخصية.
ففي القضية المرقمة (٣٣/اتحادية/٢٠٢٢)، أقام المدعي (م. ح. ع.) دعوى للطعن بعدم دستورية قرار رقم ١٠٠٠ لسنة ١٩٨٣، المتعلق بجواز زيادة نفقة الأولاد والمطلقة في عدّتها تبعاً لتغير الأحوال. وقد ردّت المحكمة الدعوى بقرارها المؤرخ ٢٠٢٣/٤/١٩، معتبرة القرار المطعون به متوافقاً مع أحكام الدستور.
ولكن، وعلى خلاف المنطق القضائي، ضمّنت المحكمة الاتحادية في قرارها تفسيراً إلزامياً لمضمون القرار ١٠٠٠، وقرّرت أن “المقصود بالنفقة في القرار تشمل الزيادة والنقصان معاً”، واعتبرت تفسيرها هذا ملزماً لجميع السلطات. وهو ما يُشكّل مخالفة صريحة للمادة (٩٣/ثانياً) من الدستور، التي حصرت اختصاص المحكمة الاتحادية بتفسير النصوص الدستورية فقط، دون أي نص قانوني أدنى مرتبة.
وحتى لو قُدّر للمحكمة أن تفسر نصاً قانونياً أثناء نظرها دعوى للطعن به، فإن هذا التفسير (بحسب المبادئ المستقرة) لا يُعد ملزماً لأي محكمة أو جهة أخرى بعد أن قررت دستورية النص، بل يُعد النصّ بعد ذلك واجب التطبيق، ويترك تأويله للقاضي المختص بالنزاع الموضوعي، لا للمحكمة الاتحادية التي انتهى دورها برد الطعن.
إن ما قامت به المحكمة الاتحادية، لم يكن سوى ركوب للموجة الشعبوية المتأثرة بخطاب بعض منظمات المجتمع المدني، وانجرار خلف أجندات لا علاقة لها بالدستور أو بحماية الأسرة، بل تهدف إلى إعادة تشكيل مفاهيم تحت غطاء العدالة الأسرية بما يخالف الشرع والدستور معًا.
وأمام هذا الخرق الفاضح لمبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء، تصدت محكمة التمييز الاتحادية للمشهد بكل شجاعة، وصحّحت المسار عبر قرارها المرقم (١٤/الهيئة العامة/٢٠٢٢) الصادر بتاريخ ٢٠٢٢/٨/٣١، الذي رسّخ مبدأ أن تفسير القاضي لنص القانون هو من صميم وظيفته القضائية، ولا سلطان عليه في ذلك حتى من المحكمة الاتحادية ذاتها، ما دامت قد ردّت الدعوى ولم تقضِ بعدم الدستورية.
لقد أعاد هذا القرار الأمور إلى نصابها، وأعاد الاعتبار لاستقلال القضاء في مجال الأحوال الشخصية، ووضع حداً لمحاولات تسييس النزاعات الأسرية تحت عباءة الدستور، وهي محاولات كان الهدف منها الضغط على القاضي، وتجريده من سلطته التقديرية التي تُعدّ جوهر العدالة في هذا الميدان.
+A
-A
facebook
Twitter
Whatsapp
Messenger
telegram
Alsumaria Tv
أحدث الحلقات
صباحكم أحلى مع سلمى
Play
ماذا تفعل لو؟ 14-9-2026 | 2026
02:30 | 2026-09-19
Play
ماذا تفعل لو؟ 14-9-2026 | 2026
02:30 | 2026-09-19
نشرة أخبار السومرية
Play
نشرة أخبار السومرية 2026-09-18 | 2026
12:45 | 2026-09-18
Play
نشرة أخبار السومرية 2026-09-18 | 2026
12:45 | 2026-09-18
علناً
Play
الامن والاقتصاد وصولة الفساد - اولويات الحكومة- الحلقة ١٤ | الموسم ٥
14:30 | 2026-09-17
Play
الامن والاقتصاد وصولة الفساد - اولويات الحكومة- الحلقة ١٤ | الموسم ٥
14:30 | 2026-09-17
العراق في دقيقة
Play
العراق في دقيقة 17-09-2026 | 2026
13:00 | 2026-09-17
Play
العراق في دقيقة 17-09-2026 | 2026
13:00 | 2026-09-17
أسرار الفلك
Play
اسرار الفلك مع جاكلين عقيقي | من ١٩ الى ٢٥ ايلول ٢٠٢٦ | 2026
13:00 | 2026-09-17
Play
اسرار الفلك مع جاكلين عقيقي | من ١٩ الى ٢٥ ايلول ٢٠٢٦ | 2026
13:00 | 2026-09-17
Live Talk
Play
عالم الشاي العراقي بين اختلاف الأنواع وتنوع الأذواق - الحلقة ١١٥ | الموسم 2
11:00 | 2026-09-17
Play
عالم الشاي العراقي بين اختلاف الأنواع وتنوع الأذواق - الحلقة ١١٥ | الموسم 2
11:00 | 2026-09-17
ناس وناس
Play
بغداد ابو دشير - الحلقة ١٢٥ | الموسم 9
05:00 | 2026-09-17
Play
بغداد ابو دشير - الحلقة ١٢٥ | الموسم 9
05:00 | 2026-09-17
مايك السومرية
Play
الفنان نؤاس اموري - الحلقة ١٤ | season 2
15:30 | 2026-09-16
Play
الفنان نؤاس اموري - الحلقة ١٤ | season 2
15:30 | 2026-09-16
عشرين
Play
ايلول القلق.. يد على الزناد وعين على العقوبات! - عشرين م٥ - الحلقة ٦٦ | الموسم 5
15:30 | 2026-09-15
Play
ايلول القلق.. يد على الزناد وعين على العقوبات! - عشرين م٥ - الحلقة ٦٦ | الموسم 5
15:30 | 2026-09-15
استديو Noon
Play
سجى نون 15-9-2026 | 2026
07:00 | 2026-09-15
Play
سجى نون 15-9-2026 | 2026
07:00 | 2026-09-15
الأكثر مشاهدة
اخترنا لك
إشترك بنشرتنا الاخبارية
انضم الى ملايين المتابعين
إشترك
حمل تطبيق السومرية
المصدر الأول لأخبار العراق
Alsumaria mobile app on Android Alsumaria mobile app on Android
Alsumaria mobile app on IOS Alsumaria mobile app on IOS
Alsumaria mobile app on huawei Alsumaria mobile app on huawei
إشترك بخدمة التلغرام
تحديثات مباشرة ويومية