ها هو شباط الماضي قد أعاد المشهد لذاكرة
مرتضى العامري، فبعد 20 عاما من غزو القوات الأميركية للعراق، يعيش مرتضى صراعا جديدا، لكن هذه المرة مع القوة العظمى الأخرى، بعد أن شنت القوات الروسية عمليات عسكرية ضد موطنه الثاني، أوكرانيا.
الحياة قبل يوم الخميس الذي بدأت فيه
روسيا عملياتها العسكرية ضد أوكرانيا، كانت عادية خالية من التوقعات، لكن الحظ العاثر كان رفيق رحلة الشاب الثلاثيني الذي فر من
كربلاء إلى أوكرانيا، حيث كان يتوقع أن تفتح له أبواب الأمل على مصراعيها في
الدولة الأوروبية، وأن يحظى طبيب الأسنان الشاب بالمزايا التي لم يستطع أن يحصل عليها في بلاده.
10 سنوات قضاها مرتضى العامري في أوكرانيا، الفرص الواعدة والحصول على الجنسية السهلة والزواج المتيسر؛ كانت تلك هي الأحلام التي من أجلها اختار العامري أوكرانيا، ولم يحقق منها سوى الزواج الذي لم يكن متيسرا كما توقع.
يروي العامري بحسب "
الجزيرة نت" قصة زواجه من الفتاة الأوكرانية التي أحبها لمدة عامين ثم تزوجا، فيقول "لا تخلو قصة زواجي من الحرب أيضا، فزوجتي من إقليم
القرم المتنازع عليه بين روسيا وأوكرانيا".
وفي 2014 وبعد سيطرة روسيا على الإقليم، أصبحت زوجته وأبناؤه منها ممنوعين من زيارة أهلها باعتبارها أراض روسية، وأصبحت العائلة كلها منفية، الأب نفته الحرب في
العراق، والأم نفتها
حرب القرم، أما الأبناء فالحرب لم تفارقهم في مكانهم الجديد الذي لمّ الشمل بأكمله، ودخلت كييف دائرة صراع لا يعلم أحد متى ينتهي.
يقول العامري إن أبناءه الصغار لا يعرفون ما يحدث، يحاول على قدر الإمكان أن يبتعد بهم عن أصوات القصف وهلع الهاربين، هو لا ينوي الهرب بعائلته مجددا، فقد اقتنع أنه لا مفر من الحرب، فستدركه أينما ذهب، ما يهمه الآن أن يحمي أبناءه.
وتابع العامري "كان منزلنا واسعا إلى حد ما، لهذا كنت أخذهم إلى أقصى مكان لا تأتيه أصوات الطائرات المستمرة، آملا ألا تتدهور الأوضاع أكثر".
الحرب وذكرياتها لا تزال حاضرة بقوة في ذاكرة الشاب العراقي،
الغزو واحد، لا يفرق بين غزو أميركي وآخر روسي، كلاهما بلا
رحمة، لكن الضحية في بلاد العرب، لا تجد من يصرخ من أجلها، حرمت حتى من وجود الملاجئ التي تحمي الناس من القصف.
عاش العامري في كييف تجربة مختلفة هذه المرة مع "الغزو الروسي"، فلأول مرة يعرف ماذا يعنيه أن يتجمع البشر في الملاجئ تحت الأرض للحماية من الغارات، هذا لم يكن يحدث في بلاده التي عاشت حروبا طويلة، حيث كان أقصى ما يحدث فيها أن تتجمع العائلة في غرفة واحدة في أقصى المنزل، لكن تجربة حرب العامري هذ المرة تشبه الأفلام التي كان يتابعها على شاشة السينما عن الحروب العالمية.
بعد أيام قليلة من بداية الحرب لا يفكر العامري في العودة بزوجته وطفليه إلى العراق، هربا مما يحدث في أوكرانيا، لا سيما أن تجربته في العودة بهم منذ عدة سنوات، لم تكن مناسبة حسب قوله.
لكن محاولاته تحمل ويلات الحرب في أوكرانيا انتهت، وكان لزوجته رأي آخر، إذ طلبت منه أن يغادروا كييف جميعا في أسرع وقت، فقد رأت أن بلادها لم تعد المكان الآمن لهم ولأطفالهم.
لم يجد العامري بدا من مغادرة أوكرانيا التي اعتبرها الوطن الثاني، بحثا عن آخر أكثر أمنا، فتوجهت الأسرة إلى بولندا، التي يتمنى لها العامري الاستقرار، حتى لا تطارده الحرب مرة أخرى.