ومع التطورات اللاحقة التي شملت إغلاق مضيق هرمز، وتصعيد
واشنطن إجراءاتها بفرض حصار على الموانئ الإيرانية عقب فشل المفاوضات الأمريكية الإيرانية في باكستان، دخلت أسواق الطاقة مرحلة جديدة من الصدمة التضخمية، انعكسَت في تقلبات حادة بأسعار النفط خلال فترة الحرب، شملت ارتفاعات حادة وانخفاضات مؤقتة مع أحاديث التهدئة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن الإمدادات وحركة الملاحة في المضيق الذي تعبره 45% من واردات الطاقة الصينية.
يأتي هذا التداخل بين التصعيد العسكري والاضطراب الاقتصادي في لحظة سياسية حساسة لبكين، خاصة مع التحضيرات الجارية لزيارة مرتقبة للرئيس الأميركي
دونالد ترمب إلى
الصين في أيار المقبل، وما رافقها من تأكيدات صينية على أهمية تجنّب المواجهة مع واشنطن والحفاظ على قنوات التواصل معها، في سياق تصفه بكين بأنه ضروري لتفادي "سوء التقدير" في العلاقات الثنائية.
لذلك، رغم أن هذه التطورات في إيران والشرق الأوسط تمسّ بعض المصالح الصينية الحيوية، فإن بكين لم تتجاوز في موقفها حدود "القلق البالغ" والدعوة إلى وقف العمليات العسكرية. والأهم أنها تجنبت استخدام كلمة "إدانة" للحرب ذاتها، وهي الكلمة التي استخدمتها بوضوح خلال حرب الاثني عشر يومًا في حزيران 2025 حين كانت
إسرائيل وحدها تقود العمليات العسكرية، ولم تستخدم الصين لفظ "الإدانة" خلال الحرب الحالية إلا في موضعين فقط، أولهما عقب اغتيال المرشد الإيراني
خامنئي، والثاني في معرض حديثها عن استهداف المدنيين، دون تحديد الطرف المقصود من هذه الإدانة.
ولا يعكس هذا التحول اختلافًا لغويًا فحسب، بل يكشف عن حسابات صينية دقيقة تتصل بطبيعة الحرب الحالية، وبالعلاقة مع
الولايات المتحدة، وبشبكة المصالح المعقدة التي تربط بكين بكل من إيران ودول
الخليج العربي وإسرائيل؛ ما يفتح أسئلة جوهرية حول كيفية
قراءة بكين لهذه الحرب وحدود انخراطها الدبلوماسي في ظل أزمة تتقاطع فيها اعتبارات الطاقة والأمن والعلاقات الدولية.
وقبل الحرب الروسية-الأوكرانية، كان أحد أكثر الافتراضات شيوعًا -والذي سعت واشنطن إلى تكريسه- هو وجود "تحالف صيني-روسي-إيراني" يتشكل في مواجهة الهيمنة الأمريكية. غير أن مجريات الحرب الأخيرة، وقبلها حرب الأيام الاثني عشر في حزيران 2025، كشفت حدود هذا الافتراض، وأعادت فتح النقاش حول طبيعة العلاقات الإيرانية الصينية وحدودها الفعلية.
وخلال حرب الاثني عشر يوما، انتشرت أنباء عديدة حول توريد أسلحة صينية لإيران، وتلتها "شائعات" بعد الحرب حول وجود صفقات أسلحة بين البلدين (وهو ما تكرر خلال الحرب الأخيرة خاصة بعد الهدنة). ولكن في تلك الفترة، انشغل السفير الصيني لدى إسرائيل، شياو جون تشنغ، في طمأنة الصحافة اليمينية الإسرائيلية بأن ما نُشر حول تلك الصفقات ليس سوى "أكذوبة"، واختتم مقابلته بالقول: "لا داعي للقلق في إسرائيل.. الكذبة التي تتكرر ألف مرة تظل كذبة".
لكن تطمينات شياو لصحيفة إسرائيل هيوم، التي يُشار إليها غالبًا باسم "بيبي-تون" لولائها لنتنياهو، لم تكن مجرد نفي لدعم
طهران؛ بل كانت على الأرجح تمويهًا للتغطية على دور نشط مزعوم لبكين في تسهيل مهام الجيش ذاته الذي كانت إيران تقاتله. فقد أكد تقرير صادر عن المقررة الخاصة للأمم المتحدة، نُشر في 20 تشرين الأول 2025، أن حركة إمدادات الأسلحة كانت معاكسة تمامًا لما روّجت له بكين؛ إذ بين تشرين الأول 2023 وتشرين الأول 2025 أرسلت 26 دولة ما لا يقل عن 10 شحنات من الأسلحة والذخائر (بما يشمل المواد ذات الاستخدام المزدوج) إلى إسرائيل، وصُنِّفت الصين (بما يشمل تايوان) ضمن المورّدين "الأكثر تكرارا".
ويعني ذلك أن الصين كانت تزوّد الجيش الإسرائيلي خلال الفترة ذاتها التي قدمت فيها نفسها لطهران بوصفها "صديق أوقات الشدائد"، وهي فترة تشمل حرب الإبادة في غزة وحرب الاثني عشر يوما، وهو ادعاء لم تعلق عليه بكين رسميا، ورغم أنه من المرجح أن الشحنات الصينية لإسرائيل كانت تندرج بند المواد ذات الاستخدام المزدوج، وليست أسلحة أو ذخائر جاهزة، فإن ذلك لا ينفي وجود تناقض بين الخطاب والممارسة يستحق تدقيقا أكبر ويفتح أسئلة ملحة حول طبيعة هذه الشحنات والقنوات التي مرت عبرها، وكيف توفّق الصين بين هذا التوريد وبين ادعائها المتكرر بأنها "صانع سلام" في الشرق الأوسط.
في المقابل، ساد داخل إيران قبل حرب 2025 افتراض "مبالغ فيه" كما يبدو مفاده أن "الجمهورية الإسلامية هي خط الدفاع الغربي للصين. إذا سقطت، ستتأثر الصين وتُصاب.. إذا قطعنا النفط، ستواجه الصين مشاكل؛ وإذا غابت إيران، ستواجه الصين تحديات. إذا لم نُبقِ
أمريكا منشغلة في هذه المنطقة، ستتجه أمريكا نحو الصين".
وعزّزت هذا التصور اتفاقية الشراكة الشاملة لعام 2021 الممتدة لـ25 عاما، والتي قرأتْها طهران كإطار "شبه تحالفي" مع بكين، ورغم أن الصين صاغت الاتفاقية بلغة عامة، مؤكدة أنها "لا تتضمن عقودا أو أهدافا كمية ومحددة ولا تستهدف أي طرف ثالث"، فإن مسؤولين إيرانيين -مثل وزير الخارجية الأسبق
جواد ظريف- وصفوها بأنها تعبير عن علاقة مع "صديق".
وغذت بكين هذه القراءة من خلال خطابها الرسمي؛ إذ تحدث وزير الخارجية وانغ يي عن عزم بكين الارتقاء بالعلاقات إلى "أعلى مستوى ممكن"، وبالنسبة لكثير من النخب في طهران، بدت الصين حليفا محتملا، ومخرجا من العقوبات الغربية، وثقلا موازنا للولايات المتحدة، تعزز هذا الانطباع بعضوية إيران الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، وموقعها الجغرافي في مبادرة الحزام والطريق، واستمرار التعاون في قطاع الطاقة.