وتستند القضية، وفق
رواية العائلة وما ورد في الدعوى، إلى محادثات بدأت لأغراض دراسية واهتمامات شخصية، قبل أن تتغير طبيعتها خلال الأشهر الأخيرة من حياة المراهق، وتتجه نحو موضوعات فلسفية ووجودية، وصولاً إلى مناقشة أفكار تتعلق بإنهاء الحياة، بحسب ما تقول الأسرة.
ولا تزال الاتهامات الواردة في الدعوى جزءاً من مسار قانوني لم يُحسم، فيما تطرح القضية تساؤلات تتجاوز ظروف وفاة
ماتياس إلى حدود مسؤولية الأنظمة الذكية، ومدى قدرتها على التعرف إلى المستخدمين القاصرين والتعامل مع المحادثات التي تنطوي على مخاطر محتملة.
من الواجبات المدرسية إلى الأسئلة الوجودية
يقول والد ماتياس، شربل حبيب، إن ابنه كان متفوقاً في دراسته ومحبوباً بين أصدقائه، ويمارس أنشطة مختلفة، من بينها العزف على الغيتار والرسم والمشي في الطبيعة، نافياً أن تكون العائلة قد لاحظت مؤشرات واضحة على وجود مشكلات نفسية لديه قبل وفاته.
وبحسب حديث الأب لوسائل إعلام لبنانية وعربية، فإن استخدام ماتياس تطبيق "تشات جي بي تي" بدأ قبل نحو ثلاث سنوات، وكان يتركز في البداية على المساعدة في الواجبات المدرسية والاستفسار عن الكتب والأفكار التي يقرأها، ولم يكن، وفق روايته، يقضي ساعات طويلة أمام الهاتف.
لكن العائلة تقول إن مراجعة سجلات المحادثات أظهرت تغيراً في طبيعة النقاشات خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وتحديداً منذ كانون الثاني 2026، إذ بدأت المحادثات تتناول موضوعات فلسفية ووجودية، وأفكاراً مرتبطة بفلاسفة من بينهم فريدريك نيتشه وألبير كامو وأبيقور وآرثر شوبنهاور، إلى جانب مفاهيم العدمية ومعنى الحياة والموت.
ويرى الأب أن هذا التحول لم يكن مجرد انعكاس لاهتمامات ابنه بالقراءة، بل إن التطبيق، وفق اعتقاده، أسهم في توسيع نطاق النقاشات من خلال طرح أسئلة جديدة واقتراح مسارات فكرية إضافية، وهو ما دفعه إلى التساؤل بشأن طبيعة التفاعل الذي توفره هذه الأنظمة للمراهقين، ومدى ملاءمته لمرحلتهم العمرية.
وتشير رواية العائلة إلى أن ماتياس كان يقرأ كتابات فلسفية، من بينها كتابات
ماركوس أوريليوس، وأن محادثاته مع التطبيق بدأت باستفسارات عن مضامين تلك القراءات، قبل أن تتطور، بحسب ادعائها، إلى نقاشات أكثر حساسية بشأن نظرته إلى الحياة ومستقبله.
أسئلة عن إنهاء الحياة وردود مثيرة للجدل
تشكّل المحادثات التي تقول العائلة إنها جرت في الأسابيع الأخيرة قبل وفاة ماتياس محوراً أساسياً في الدعوى القضائية، إذ تشير إلى أن المراهق طرح على التطبيق، في 30 آذار 2026، سؤالاً مباشراً بشأن إنهاء حياته.
وبحسب ما ورد في الدعوى، فإن التطبيق لم يتعامل مع المحادثة بالطريقة التي كانت العائلة تتوقعها في موقف من هذا النوع، ولم يُخطر والدي المراهق، وفق ادعائها، رغم خطورة السؤال المطروح. كما تتضمن الدعوى مزاعم بشأن ردود نُسبت إلى التطبيق، اعتبرتها الأسرة تشجيعاً لأفكار خطرة بدلاً من توجيه المستخدم نحو طلب المساعدة.
وتقول العائلة إن ماتياس توفي بعد نحو 23 يوماً من تلك المحادثة، في 22 نيسان، وإنها لم تكن على علم بما دار بينه وبين التطبيق إلا بعد وفاته، عندما بدأت مراجعة بعض المعلومات والمنشورات المرتبطة بحسابه على مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن بين التفاصيل التي أوردتها الأسرة أن التطبيق ساعد، بحسب ما جاء في الدعوى، على جدولة منشور عبر "إنستغرام" ليُنشر بعد وفاة ماتياس. وتعد العائلة هذه الواقعة جزءاً من الأسئلة التي تريد الإجابة عنها من خلال المسار القضائي، إلى جانب معرفة طبيعة التفاعلات التي جرت بين المراهق والنظام خلال الفترة السابقة لوفاته.
ويقول شربل حبيب إن العائلة كانت تعيش حياة طبيعية، وإن أفرادها اجتمعوا على مائدة الغداء قبل يوم من وفاة ابنهم، من دون أن يتوقعوا وقوع المأساة. ويؤكد أن ما تسعى إليه الأسرة اليوم لا يقتصر على تحديد المسؤوليات القانونية، بل يشمل أيضاً تحذير العائلات من المخاطر المحتملة لاستخدام الأطفال أدوات
الذكاء الاصطناعي من دون رقابة أو ضمانات كافية.
ومع ذلك، تبقى طبيعة العلاقة بين المحادثات والوفاة، والمسؤولية القانونية المحتملة للشركة، من المسائل التي يتعين تقييمها استناداً إلى الأدلة والسجلات الكاملة، وما ستتوصل إليه الإجراءات القضائية.
دعوى في كاليفورنيا ومطالب تتجاوز التعويضات
تقدمت عائلة ماتياس بدعوى أمام
المحكمة العليا في ولاية كاليفورنيا،
مقاطعة سان فرانسيسكو، ضد شركة "أوبن إيه آي" والشركات التابعة لها، إضافة إلى رئيسها التنفيذي سام ألتمان، على خلفية اتهامات تتعلق بالتسبب في الوفاة.
وتمثل العائلة جهتان قانونيتان هما "مركز ضحايا
وسائل التواصل الاجتماعي" (Social Media Victims Law Center) و"مشروع العدالة التقنية القانوني" (Tech Justice Law Project)، اللذان يتوليان متابعة المطالبات القانونية المرتبطة بالقضية.
وبحسب ما نقله والد المراهق، فإن القضية تندرج ضمن مجموعة من الدعاوى التي تتناول الأضرار المحتملة الناجمة عن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي للعائلة لا يتمثل في الحصول على تعويض مالي، بل في الدفع باتجاه إجراءات تحد من المخاطر التي قد يتعرض لها الأطفال والمراهقون.
وتطالب الأسرة، وفق تصريحات الأب، بوقف المحادثات بين
روبوتات الدردشة والمستخدمين القاصرين إلى حين إثبات سلامة هذه الأنظمة من خلال جهة متخصصة ومعتمدة، مع وضع ضوابط أكثر صرامة تحكم طبيعة التفاعل مع هذه الفئة العمرية.
ويقول الأب إن القضية لا تتعلق برفض التكنولوجيا أو إنكار فوائدها، بل بضرورة التمييز بين استخداماتها التعليمية المفيدة وبين المحادثات التي قد تدخل في موضوعات شديدة الحساسية، ولا سيما عندما يكون المستخدم في مرحلة عمرية تتطلب عناية خاصة.
كما عبّر عن اعتقاده بأن الأنظمة الذكية ينبغي ألا تواصل التفاعل بالطريقة نفسها عندما تظهر مؤشرات على وجود خطر يهدد سلامة المستخدم، داعياً إلى تطوير آليات أكثر فاعلية للتعامل مع هذه الحالات، وإشراك أولياء الأمور أو الجهات المختصة وفق ضوابط واضحة.
مسؤولية الشركات وحدود الحماية
تطرح القضية إشكالية قانونية تتعلق بكيفية التعامل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي عند وقوع أضرار يُعتقد أنها ارتبطت بمخرجاتها. فبحسب ما أوضحه الأب، تنطلق المطالبة القانونية من اعتبار التطبيق منتجاً ينبغي إخضاعه لمعايير السلامة، ومن مساءلة الشركة بشأن تصميمه وطريقة استجابته للمحادثات الحساسة.
ويؤكد هذا الطرح أهمية التمييز بين الاتهامات التي تقدمها الأسرة وبين المسؤولية التي يمكن إثباتها قانونياً، إذ لا يعني رفع الدعوى ثبوت أن التطبيق تسبب في الوفاة، بل يضع ادعاءات العائلة أمام القضاء لفحصها في ضوء الأدلة المتاحة.
ومن أبرز المسائل التي تريد الأسرة توضيحها طبيعة سجلات المحادثات الكاملة، وكيفية تعامل النظام مع سؤال المراهق بشأن إنهاء حياته، وما إذا كانت آليات الحماية المعتمدة قد استجابت للمؤشرات التي ظهرت خلال المحادثة، فضلاً عن مدى ملاءمة إجراءات الحماية المخصصة للمستخدمين القاصرين.
ويقول الأب إن العائلة انتظرت نحو ثلاثة أشهر للحصول على نسخة من تقرير يتضمن محتويات هاتف ابنه، قبل إرسالها إلى
الولايات المتحدة ضمن متابعة القضية. كما أشار إلى أن الأسرة تنتظر الحصول على المحادثات الكاملة من الشركة، بهدف ضمها إلى ملف الدعوى واستكمال متابعة المسار القانوني.
وتكتسب هذه السجلات أهمية في تحديد تسلسل المحادثات وطبيعة الردود التي تلقاها المراهق، إلا أن تقييمها يتطلب الاطلاع على سياقها الكامل، وعدم الاكتفاء بمقاطع منفصلة أو رواية أحد أطراف القضية.
مؤسسة باسم ماتياس للتوعية بمخاطر الذكاء الاصطناعي
وبالتوازي مع الإجراءات القضائية، أسست العائلة "مؤسسة ماتياس حبيب" (Mathias Habib Foundation)، بهدف العمل على حماية الأطفال والمراهقين من الأضرار المحتملة للتكنولوجيا، من خلال التوعية والأنشطة العملية والأبحاث.
وذكر الأب أن المؤسسة بدأت تنظيم دورات توعوية في المدارس تستهدف التلاميذ والأهل والهيئات التعليمية، مشيراً إلى أن نحو 2500 تلميذ استفادوا من هذه الدورات حتى الآن، وفق الأرقام التي قدمها.
وتشمل المبادرات، بحسب العائلة، تشجيع الأطفال على ممارسة الأنشطة الاجتماعية والترفيهية والرياضية، وتنويع اهتماماتهم بعيداً عن الاستخدام المستمر للهواتف والشاشات، إلى جانب تعريفهم بكيفية التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي وفهم حدودها ومخاطرها المحتملة.
كما تعمل المؤسسة على إجراء دراسات لفهم التحديات التي يواجهها التلاميذ، بما في ذلك مستويات الحزن والضغوط التي قد يتعرضون لها، والعوامل المختلفة التي يمكن أن تؤثر في صحتهم النفسية والاجتماعية. وتقول العائلة إن هذه الجهود تهدف إلى بناء فهم أوسع لواقع الأطفال، بدلاً من حصر النقاش في تطبيق واحد أو سبب منفرد.
ويشدد الأب على أن وجود مشكلات نفسية لدى طفل أو مراهق، إن وُجدت، لا يلغي مسؤولية الجهات التي تطور أدوات رقمية يتفاعل معها، بحسب رأيه، بل يجعل توفير ضمانات مناسبة أكثر أهمية. وفي المقابل، تبرز القضية الحاجة إلى مقاربة شاملة تجمع بين دور الأسرة والمدرسة والجهات المختصة والشركات التقنية.