نظام "الأسيكودا".. المنصة التي أرعبت "حيتان التزوير"
نظام الأسيكودا (Automated System for Customs Data) ليس مجرد برنامج حاسوبي، بل هو منصة عالمية طورتها
الأمم المتحدة (أونكتاد) لإدارة العمليات
الجمركية إلكترونياً بالكامل. وتكمن أهمية هذا النظام في إنهاء التعامل الورقي الذي كان يمثل البيئة الخصبة للتزوير والتلاعب بالأوراق الرسمية، توحيد الرسوم، ومنع التجار من التلاعب عبر تغيير تصنيف البضائع للهروب من الرسوم العالية، بالإضافة الشفافية الدولية عبر اعتماد معايير عالمية تضع
العراق على خارطة التجارة الدولية الرصينة.
لقد نجحت الحكومة في إدخال العراق ضمن قائمة الـ 102 دولة التي تعتمد هذا النظام، مما يعني أن الإجراءات الجمركية أصبحت تضاهي المعايير العالمية، وهو ما يغلق الباب أمام الصفقات المشبوهة التي كانت تدار خلف الكواليس.
وعلى الصعيد العالمي، حقق نظام الأسيكودا انتشارا واسعا، إذ اعتمدته أكثر من 102 دولة، تعمل نحو 90 بالمئة منها على أحدث إصدار المعروف باسم أسيكودا العالمي أو في طور الانتقال إليه. وتتنوع الدول المستخدمة للنظام بين نامية ومتقدمة، ما يعكس مرونته وفعاليته، فيما ترافق عملية تطبيقه برامج تدريب ونقل معرفة تهدف إلى بناء القدرات المحلية وضمان استدامة العمل الجمركي.
تظاهرات التجار.. احتجاج ضد "العدالة" لا ضد "الغلاء"
في ظاهرة هي الأولى من نوعها في تاريخ العراق، خرج عشرات التجار في 8 شباط 2026 للتظاهر في بغداد والمحافظات. وبقراءة تحليلية لهذه الاحتجاجات، يتضح أن اعتراض التجار لم يكن دفاعاً عن "جيب المواطن"، بل هو صرخة احتجاج ضد "نظام العدالة" الذي فرضه
السوداني.
كما ترى جهات حكومية أن هذه الاعتراضات تعكس تضرر بعض المصالح التي كانت تستفيد من ثغرات سابقة في النظام الجمركي، وأن توحيد الرسوم وتفعيل الرقابة الرقمية ألغى هوامش أرباح غير مبررة.
لقد كشف نظام الأسيكودا والمكاتب الجمركية الأربعة المستحدثة بمحاذاة
إقليم كردستان زيف الادعاءات السابقة؛ حيث كان بعض التجار يستغلون ثغرات المنافذ غير الاتحادية لإدخال بضائعهم برسوم رمزية أو عبر التزوير، مما يضر بالمنتج المحلي ويحرم خزينة الدولة من مليارات الدولارات.
واليوم، وبفضل إجراءات 10 شباط - أعلنت
الهيئة العامة للكمارك، استحداث أربعة مكاتب كمركية بمحاذاة إقليم
كردستان، واعتماد نظام الأسيكودا ومنع دخول البضائع خارج المنافذ الاتحادية - أصبح "الكل سواسية" أمام القانون الجمركي، وهو ما أدى لتراجع أرباح التجار الفاحشة، فكان رد فعلهم "التظاهر" لزعزعة الاستقرار الشعبي.
ولسنوات طويلة، وُصفت المنافذ الحدودية العراقية بأنها أحد أبرز بؤر الهدر المالي. تقارير رقابية متعددة تحدثت عن فجوة كبيرة بين حجم الاستيرادات الفعلي والإيرادات الجمركية المتحققة، ما عزز قناعة بوجود خلل هيكلي يتجاوز الأخطاء الإدارية إلى شبكات نفوذ معقدة.
لغة الأرقام.. ارتفاع "طفيف" مقابل سيادة "اقتصادية"
خلافاً للشائعات التي روجت لارتفاع جنوني في الأسعار، أثبتت التقارير الميدانية أن الزيادة كانت "طفيفة" ومحصورة في سلع ترفيهية أو ثانوية مثل (الإلكترونيات، الذهب، والموبايلات الحديثة)، بينما ظلت السلع الأساسية والمواد الغذائية مستقرة نظراً لانخفاض نسب التعرفة المفروضة عليها.
ويؤكد الخبير الاقتصادي منار
العبيدي أن هذه الخطوة تسير بالاتجاه الصحيح لأنها تقلل الضغط على الدولار عبر السيطرة على التحويلات المالية ومنع تهريب العملة تحت غطاء الاستيراد الوهمي، وتعزيز الإيرادات غير النفطية عبر تحويل مبالغ الرسوم مباشرة إلى حسابات الدولة بدلاً من جيوب الفاسدين، إضافة الى دعم سعر الصرف حيث ان السيطرة على التجارة تعني سيطرة أكبر على السوق الموازي للدولار.
القضاء يحسم الجدل والسياسيون يشيدون
جاء رد
المحكمة الاتحادية العليا في 11 شباط الجاري ليكون "الرصاصة الرحمة" في قلب محاولات الالتفاف على الإصلاح؛ حيث ردت الدعوى المقامة ضد التعرفة الجمركية لعدم توفر المصلحة العامة فيها. هذا القرار القضائي عزز من شرعية خطوات حكومة تصريف الأعمال وأثبت أن مصلحة الدولة فوق رغبات فئات محدودة من المستفيدين.
وفي وقت سابق قال رئيس كتلة الاعمار والتنمية بهاء
الأعرجي في تصريح صحفي، أن نظام الأسيكودا يهدف إلى توحيد إجراءات المنافذ الحدودية ضمن آلية موحدة، موضحاً أن بعض التجار كانوا يستوردون عبر إقليم كردستان بدفع رسوم أقل مقارنة ببقية المنافذ، ما أدى إلى حرمان
الخزينة الاتحادية من إيرادات مهمة.
وبيّن، أن تطبيق النظام أسهم في تحويل المدفوعات إلى مسارات قانونية مباشرة تدخل ضمن حسابات الدولة، بعد أن كانت أجزاء منها لا تصل إلى
الحكومة الاتحادية، مشيراً إلى أن الاعتراضات الصادرة من بعض التجار ترتبط بتراجع أرباحهم لا بالمصلحة العامة، وأن الإجراءات الأخيرة تستهدف حماية الاقتصاد الوطني وتعزيز العدالة في الاستيفاء الكمركي.
شجاعة اتخاذ القرار في الأمتار الأخيرة
إن ما قامت به حكومة السوداني في ملفي "الأسيكودا والضرائب" يمثل تحولاً جذرياً من اقتصاد "الفوضى والمزاجية" إلى اقتصاد "الأنظمة والرقابة". قد يشعر المواطن بضغط بسيط في بعض السلع الكمالية، لكن الثمن الحقيقي هو بناء دولة قادرة على تمويل موازناتها بعيداً عن تقلبات أسعار النفط، وضمان أن كل دينار يدخل عبر الحدود يذهب لمشاريع الإعمار والخدمات، وليس لتمويل إمبراطوريات الفساد.
إن التاريخ سيسجل أن حكومة السوداني، وفي وقت اعتقد الجميع أنها ستكتفي بـ "تسيير الأعمال"، قامت بـ "تغيير الأنظمة"، واضعة مصلحة الشعب العراقي فوق كل اعتبار سياسي أو ضغط تجاري.