نجح فريق دولي من المستكشفين والعلماء في فك أحد أكبر الألغاز البيئية في القارة السمراء، بعد عقدٍ من المغامرات ومواجهة الأخطار في شبكة
الأنهار بجنوب القارة الأفريقية، مكللين جهودهم باكتشاف "برج مياه" هائل مخفي تحت الأرض يغذي "
دلتا أوكافانغو" الشهيرة طوال العام.
لطالما أثارت دلتا أوكافانغو، الممتدة على مساحة 11 ألف ميل مربع عبر
بوتسوانا وناميبيا وأنغولا،
حيرة العلماء؛ إذ كيف يمكن لهذه المنطقة القاحلة في
صحراء كالاهاري أن تتدفق بالمياه العذبة طوال العام دون وجود جبال ثلجية أو أنهار جليدية تغذيها؟
الإجابة جاءت بعد سنوات من البحث أثبتت أن المرتفعات الأنغولية تضم شبكة غير متوقعة من "أراضي الخث"، وهي عبارة عن مستنقعات جوفية تعمل كإسفنجة عملاقة.
ووفقاً للدراسات والمقاييس الميدانية، تخزن هذه الشبكة أكثر من 100 تريليون غالون من المياه (ما يعادل 170 مليون مسبح أولمبي)، وتقوم بإطلاقها ببطء شديد نحو المنخفضات؛ ما يضمن استدامة الحياة البرية والمجتمعات المحلية.
عقد من التحديات والاكتشافات العلمية
الرحلة التي قادها عالم بيولوجيا الحفاظ على البيئة، ستيف بويز، وبدعم من جمعية "ناشيونال جيوغرافيك"، لم تكن مفروشة بالورود. فقد واجه الفريق حقول الألغام الأرضية المتبقية من الحرب الأهلية في أنغولا، والطقس القاسي، ومواجهات شرسة مع حيوانات فرس النهر والفيلة.
ولمواجهة هذه التحديات، استخدم الفريق زوارق "الموكورو" التقليدية مسطحة
القاع لشق الممرات المائية الضحلة والمستنقعات.
وأسفرت هذه الرحلات الطويلة عن إنجازات علمية غير مسبوقة، شملت:
اكتشاف أنواع جديدة: توثيق أكثر من 70 نوعاً من الكائنات الحية الجديدة كلياً على العلم، من بينها
عنكبوت "بابون" ذو قرن فريد، ونوع من الأسماك المتسلقة سمي تيمناً بقائد الرحلة، فضلاً عن مئات الأنواع الأخرى التي لا تزال تحت الدراسة.
تطوير تقنيات البحث: تطويع التكنولوجيا عبر استخدام
كاميرات بزاوية 360 درجة لرسم الخرائط، وأدوات مطبوعة ثلاثية الأبعاد لجمع الآثار الجينية للكائنات من المياه مباشرة.
وتتويجاً لهذه الجهود، أعلنت السلطات عن تصنيف مساحة 20,500 ميل مربع من هذه الأراضي الرطبة كموقع حماية عالمي بموجب "اتفاقية رامسار"، وأطلق عليها محلياً اسم "ليسيمة ليا
مونو" أي "نبع الحياة"، في خطوة تاريخية لحمايتها من التغيرات المناخية والأنشطة البشرية الجائرة.
واليوم، يتطلع الفريق إلى نقل هذه الخبرات والتقنيات المبتكرة لتطبيقها في أحواض نهرية أخرى عبر القارة الأفريقية، بهدف اكتشاف وحماية "أبراج المياه" الخفية التي تصنع الحياة في القارة.