السومرية نيوز/
البصرة
لم يكن نبات السوس مجرد نبات شجري معمر ينمو في البساتين وقرب
ضفاف
الأنهار في
محافظة البصرة، بل كان من أهم مواردها الاقتصادية منذ أواخر
القرن
التاسع عشر وحتى منتصف القرن الماضي، بحيث جذب هذا النبات شركات بريطانية وأميركية
كانت تشتري جذوره وتكبسها وتصدرها على ظهر بواخر الى أوربا وأميركا لإستخدامها في
صناعات غذائية ودوائية، إلا أن المختصين أخذوا في الآونة الأخيرة يحذرون من
إنقراضه بعد أن بات وجوده نادراً في البيئة المحلية.
عالم: السوس على اللائحة الحمراء
يقول أستاذ تصنيف وبيئة النباتات في جامعة البصرة الدكتور عبد
الرضا أكبر
علوان في حديث لـ"السومرية نيوز"، إن "السوس كان من
أكثر النباتات شهرة وانتشاراً في البصرة لكن وجوده فيها بات نادراً جداً، ولهذا
أدرجه باحثون على اللائحة الحمراء للنباتات المهددة بالإنقراض على المستوى
المحلي"، مبيناً أن "ارتفاع نسب التراكيز الملحية في التربة والمياه هي
من أهم المشاكل التي أسفرت عن ندرة نبات السوس، وقد تؤدي الى فقدانه كلياً في
الأعوام المقبلة".
ويلفت علوان الذي وضع عدة مؤلفات علمية عن النباتات الطبية
والمائية في
العراق الى أن "المشكلة لا تقتصر على نبات السوس، بل هناك أنواع
من النباتات البرية اختفت تماماً من البيئة المحلية في غضون العقدين
الماضيين"، معتبراً أن "أراضي أقضية
الفاو وشط العرب وأبي الخصيب إذا تم
استصلاحها زراعياً وتحسنت نوعية المياه يمكن أن ينتشر نبات السوس مجدداً، أما إذا
ظل الوضع على ما هو عليه فسوف تزداد فرص خسارته الى الأبد".
بدوره، يقول صاحب مشتل الخورة المهندس الزراعي عبد الحميد
الحجاج في حديث لـ"السومرية نيوز"، إن "السوس كان من النباتات
الشائعة جداً والمنتشرة بكثرة حتى بعيداً عن ضفاف الأنهار، إلا أنه إختفى في
الأعوام الأخيرة"، موضحاً أن "هذا النبات كان من الموارد الاقتصادية
الهامة لان المئات كانوا يمتهنون البحث عن السوس وإستخراج جذوره من الأرض".
ويشير الحجاج الى أن "السوس مازال ينمو طبيعياً في بعض
المحافظات، ويمكن
مشاهدته بكثافة في
محافظة ديالى وقضاء الصويرة، ويقوم بعض
المزارعين بتحويله الى سماد نباتي باعتبار الوسوس سهل التحلل وغني بالمعادن
والعناصر التي تساعد النباتات على النمو".
ويؤكد الخبير الزراعي أن"المزارعين في البصرة ما كانوا
يعتبرون السوس نباتاً ضاراً، وذلك بخلاف الكثير من النباتات التي تنمو من تلقاء
نفسها"، معتبراً أن "تجارة السوس التي كانت رائجة في البصرة مطلع القرن
الماضي ساعدت على إختفاء هذا النبات".
منافسة بريطانية أميركية
على المستوى التأريخي؛ يؤكد قنصل
روسيا القيصرية في البصرة
ألكسندر أداموف في كتابه (ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها) الصادر في سانت
بطرسبورغ عام 1912، أن "هذا النبات كان ينمو بكثرة في جميع أنحاء جنوب
العراق، ولم يكن يستغل بأي شكل الى أن قامت شركة (Zerlendi et Essayie) الأوربية المحلية المشتركة بتصدير جذور
السوس في ثمانينات القرن التاسع عشر الى أميركا، وقد حقتت هذه الشركة أرباحاً
طائلة"، مضيفاً أن "فائدة هذه التجارة لم تخف على الأهالي الذين أخذوا
يمارسون تصدير عرق السوس حتى هبط مردود هذه التجارة، وأصبح الحصول على هذه المادة
يكلف أكثر من السابق بسبب نقله من مناطق أبعد من جراء نفاذه تماماً من ضفاف
الأنهار".
ويذكر أدماموف أن "المنافسة أدت الى ارتفاع الأجور، وفي
الوقت نفسه كانت نوعية عرق السوس تسوء بالتدريج لأن العمال بعد أن أصبحوا يتسلمون
أجورهم مقدماً أخذوا يصمون آذانهم عن صوت ضمائرهم أكثر فأكثر عند جلب الجذور التي
غالباً ما كان يظهر أنها لا تصلح إلا لأن تكون حطباً"، موضحاً أن "تصدير
عرق السوس الرديء إلى أميركا أدى الى هبوط أسعاره فيها بشكل حاد، وقد ظهر ذلك
واضحاً عام 1900 عندما اعتبر 30% من الوارد منه غير صالح للاستخدام".وتابع أن
"المندوب الأميركي في البصرة إستطاع رغم الصعوبات الكبيرة التي واجهته أن
يجعل التصدير يستقيم مرة أخرى، حيث تم تصدير 23337 رزمة عام 1907، و25932 رزمة
عام1908، و48778 رزمة عام 1909، و47476 رزمة عام 1910".
ويخلص القنصل السابق في كتابه الى أن "البصرة التي يوجد
فيها مكبس هيدروليكي لعرق السوس مازالت المصدر الرئيس لهذه المادة على الرغم من
قيام الحكومة عام 1909 بزيادة الضريبة المفروضة على تصدير السوس الى الضعف".
بيد أن أداموف لم يتطرق الى دور شركة أميركية كانت متخصصة
بتجارة عرق السوس، وهي شركة (Mac
Andrews Forbes) التي تم تأسيسها في البصرة عام 1904، وتمكنت خلال أعوام قليلة من
احتكار تجارة هذه المادة في عموم العراق بعد افتتاح فرعين لها في
بغداد والموصل،
إلا أن القوات البريطانية عند احتلالها
الموصل حاولت تعطيل عمل هذه الشركة بدافع
تمكين التجار البريطانيين من فرض هيمنتهم مرة ثانية على تجارة السوس الذي كان يدخل
في صناعة أنواع من التبغ والجعة والأدوية والصابون، كما كان يستخدم كبديل عن
السكر.
دواء قديم جديد
ويصنف السوس المعروف علمياً باسم (Glycyrrhiza glabra) ضمن النباتات المعرضة بشكل ضعيف لخطر
الإنقراض على مستوى العالم، وقبل أن يكتشف العلماء في القرن الماضي أنه يحتوي مادة
تساعد على التئام تقرحات المعدة كان الفراعنة والرومان يستخدمونه في علاج آلام
المعدة، كما استخدمه البابليون كعنصر مقوي للجسم.
أما الأطباء المسلمون القدامى فلم يغفلوا الأهمية الطبية لهذا
النبات، وقال عنه إبن سينا (980-1037م) إن "عصارته تنفع في الجروح، وهو يلين
قصبة الرئة وينقيها وينفع الرئة والحلق وينقي الصوت ويسكن العطش وينفع في إلتهاب
المعدة"، فيما قال إبن البيطار (1197-1248م) إن "نفع ما في نبات
(العرقسوس) عصارة أصله؛ وطعم هذه العصارة حلو كحلاوة الأصل، ولذلك صارت تنفع
الخشونة الحادثة في المريء والمثانة، وهي تصلح لخشونة قصبة الرئة إذا وضعت تحت
اللسان وامتص ماؤها، وإذا شربت أوققت التهاب المعدة".
وبحسب الأديب كاظم حسن سعيد فإن"آخر معمل ميكانيكي لتقطيع
وكبس السوس في البصرة كان يقع على ضفة نهر الرباط في منطقة الحكيمية قبل أن يندثر
خلال السبعينات ليكون موقعه مقراً لجهاز المخابرات، وبعد عام 2003 تحول الموقع الى
مقر لقيادة قوات الشرطة"، موضحاً في حديث لـ"السومرية نيوز"، أن
"المعمل كان يشغل مساحة واسعة ويضم مخازن ورصيفاً للزوارق ويعمل فيه عشرات
العمال العراقيين".
ويلفت سعيد الذي ترعرع في المنطقة التي كان يقع فيها معمل
السوس الى أن "أواخر السبعينات سرت إشاعة أدت الى تواري باعة شراب السوس
المتجولين عن الأنظار لأسابيع متتالية، كما دفعت ببعض المواطنين الى عدم التعامل
معهم"، موضحاً أن "الإشاعة تفيد بأن اثنين من باعة شراب السوس اعترفا
بالتخابر مع
إسرائيل بعد اعتقالهما بتهمة التجسس".
وفيما كان السوس يشكل تجارة مربحة تحظى بإهتمام عالمي، كان
باعة شراب السوس يجوبون الأسواق الشعبية في البصرة وهم يحملون على ظهورهم اسطوانات
معبأة بشراب السوس ويلفتون إنتباه المارة بقرقعة أقداح نحاسية، إلا أن معظم الباعة
إلتحقوا في غضون الأعوام القليلة الماضية بركب أصحاب المهن والحرف التراثية
المندثرة، وهذه المرة ليس نتيجة إشاعة تتهمهم بالتجسس، وانما بسبب ضعف إقبال
المواطنين على هذا النوع من المشروبات النباتية، فهو لا يكتسب إهتمام البصريين
الذين يفضلون عليه الشاي والقهوة العربية والنومي بصرة.