يصف خبراء دوليون منطقة شمال إفريقيا حاليا بالرقعة الاستكشافية الكبيرة والغنية بالثروات فالانظمة الديكاكتورية التي كانت تحكمها لعقود زالت وزالت معها سياسة الانغلاق التي كانت تتبعها تلك الانظمة والتي...
يصف خبراء دوليون منطقة شمال إفريقيا حاليا بالرقعة الاستكشافية الكبيرة والغنية بالثروات فالانظمة الديكاكتورية التي كانت تحكمها لعقود زالت وزالت معها سياسة الانغلاق التي كانت تتبعها تلك الانظمة والتي ابقت شعوبها ومقوماتها الاقتصادية بعيدة عن التطور او في احسن الاحوال توقفت عند الوضع التي كانت عليه في ستينيات
القرن الماضي.
وبالنسبة للغرب فإن إزالة الانظمة الديكتاتورية في تونس ومصر وأخيرا في ليبيا ليست فيها منافع استراتيجية او امنية فحسب بل تؤمن له رقعة عذراء مليئة بالبترول والثروات الطبيعية، وهو ما يفسر دخول اكثر من قطب دولي على خط التطورات في المنطقة التي كانت خاضعة تاريخيا إلى المعسكرين البريطاني والفرنسي.
ويمكن القول أن الوضع الجديد في شمال افريقيا خلق معادلة جديدة تقوم على الاقتصاد البحت، تفتح ابواب الاستثمار على ما يمكن ان يطلق عليه المعسكر الغربي المتمثل بالاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الاميركية، وتغلقه على المعسكر الشرقي القديم المتمثل بروسيا والصين.
فالرئيس الاميركي
باراك اوباماالذي تبنى سياسة اقتصادية عقب توليه سدة الرئاسة يبدو انه دخل في هذا السيناريو عبر الكشف عن خطة مساعدات اقتصادية لتشجيع التحولات الديمقراطية في العالم العربي على غرار اوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي.
وتامل ادارة اوباما من برنامجها المخصص اصلا لمساعدة مصر وتونس ان يكون عاملا محفزا لشعوب الدول الاخرى الراضخة تحت انظمة مماثلة كسوريا على سبيل المثال، إذ يتضمن برنامج
واشنطن قروضا او ضمانات قروض لتمويل مشروعات تنمية البنية التحتية في البلدان التي يحصل فيها التغيير، وزيادة فرص العمل من خلال
هيئة الاستثمار الخاصة عبر البحار.
اما بالنسبة للاتحاد الاوروبي بلا شك فأن التغيير في شمال إفريقيا فتح لها سوقا نفطية جديدة وزاد من استثماراتها التي كانت موجودة اصلا لكنها كانت خاضعة لما يمكن وصفه مزاج الحكام كمعمر
القذافي.. لكن المستفيد الأكبر في الوقت الحالي لن تكون
بريطانيا التي تراجع دورها عالميا بل يتوقع ان يكون لفرنسا وحليفتها
إيطاليا اللتين اعتبر سقوط نظام القذافي انجاز يحسب لهما، والذي احتسب نفطيا بعدما كشفت صحيفة ليبراسيون الفرنسية عن نص رسالة وجهت في نيسان الماضي من "
الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا" الى امير قطر اقر فيها المجلس اعطاء
فرنسا حق استثمار اكثر من ثلث النفط الخام في البلاد مقابل الدعم لإسقاط نظام القذافي.
لكن الربيع العربي الذي حمل ربيعا غربيا ايضا، تحول إلى خريف شرقي باعتبار ان
روسيا والصين خسرتا انظمة موالية لها كانت تستخدم كاوراق ضغط اقتصادي وسياسي وسوقا كبيرة لتصريف انتاجهما من السلاح، ولمن سقوط شمال افريقيا من يد المعسكر الشرقي لا يعني نهاية المسلسل فقد يتحول خريفه إلى شتاء قارص مع سقوط
سوريا التي تعتبر الممانع الوحيد المتبقي للغرب في الشرق الاوسط.
اما
تركيا التي لم تستطع الوصول إلى شمال افريقيا ابان امجاد امبراطوريتها فهي بكل الاحوال سيكون لها الدور الاساس ليس فقط في شمال افريقا بل في الشرق الأوسط، بعدما دأبت على تقديم نفسها كنموذج للاسلام السياسي المعتدل الحاصل على الدعم المطلق من
الولايات المتحدة الأميركية.
لكن بين خاسر ورابح من التغيير الحاصل في المنطقة ما زالت الشعوب العربية في حال من الصدمة والخوف من ما يكمن أن يحمله التغيير، فالانفتاح المطلق والسريع على الغرب مع فقدان الأسس لفهم الديمقراطية المستجدة من شانه ان يزيد التطرف الموجود أصلا في المنطقة، او ان يؤدي إلى سايكس بيكو جديدة تعيد تقسيم المنطقة على اساس مصالح الغرب، وليس على أساس مصالح شعوبها.