لم تشهد العلاقات السورية الايرانية في تاريخها متانة وقوة وترابطا اكثر من تلك التي مرت بها في عهد الرئيسين محمود احمدي نجاد وبشار
الاسد وان لم تبدأ معهما.
فالعام الف وتسعمئة وثمانين تخطى الرئيس السوري حافظ الاسد خوفه وحذره من الجمهورية الاسلامية الناشئة في
ايران، وارسى مع النظام هناك تحالفا سببه العداء المشترك للرئيس السابق
صدام حسين الذي استمر بعدما اكتشف النظامين وجود عدوين مشتركين هما
إسرائيل والولايات المتحدة رغم ارتفاع السؤال والحيرة حول سبب حاجة السلطة الدينية الإيرانية للتحالف مع نظام حكم فردي علماني اشتراكي عربي.
واليوم ومع نهاية ولاية الرئيس الحالي
أحمدي نجاد تبدو العلاقات الايرانية السورية على مفترق طريق مفصلي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة التي قد تحمل في طياتها نوعا من الفتور في التحالف في حال فوز أحد المرشحين الاصلاحيين مهدي كروبي او مير حسين
الموسوي.
فبالنسبة لهؤلاء الاثنين، يؤكد المراقبون انهما سيعمدان إلى التقاط الاشارات الاميركية التي تمثلت في زيارات عدد كبير من مسؤولي الادارة الاميركية إلى دمشق مؤخرا، وبالتالي امكانية استغلالهما في حال الوصول إلى موقع الرئاسة هذه العلاقة المتجددة بين الاميركيين والسوريين في خدمة العلاقات المجمدة حاليا بين
طهران والادارة الاميركية التي لم يفلح نجاد في وضعها في اطار التحريك، بل بالعكس عاد بها إلى نقطة الصفر بعد اكثر من خطاب لم يهادن فيه الاميركي رافضا على ما يبدو عرض حليفه الاوثق
بشار الاسدالذي أبدى رغبته في اكثر من مناسبة في مد جسر بين الجمهورية الإسلامية والغرب، سواء تحقق السلام مع إسرائيل أم لا. وفي هذا السياق يتحدث المراقبون عن فهم اصلاحي، لم يتوصل اليه نجاد حتى الساعة، عن مستقبل العلاقة مع
سوريا خصوصا عندما يتم الحديث عن أن الأسد يمكن أن تتم زحزحته عن التحالف التاريخي مع
إيران، مما سينتج عنه تحالف جديد مع الغرب على طراز التحالف الذي قام به الرئيس المصري السابق أنور
السادات وبالتالي استباق تخلي سوريا عن ايران
المتطرفة. والظهور امام العالم بمظهر جديد بدءا من
لبنان حيث سيعمد الاصلاحيون على كبح جماح
حزب الله فيه، خصوصا بعد فوز القوى الناهضة لسوريا والموالية للغرب في الانتخابات النيابية مؤخرا من دون ان يؤدي هذا الامر إلى انهاء دور الحزب وتجريده من سلاحه، انما سيدفع به للتسليم بمنطق الدولة وحصر قرار السلم والحرب بيدها.
وثمة تحليلات ثلاثة تسيطر على رؤية
واشنطن للعلاقة السورية-الإيرانية؛ فبادئ ذي بدأ يزعم العالم الإسرائيلي إيال زيسير، أنه خلال سنوات حكم بوش جعل النظام البعثي في سوريا من نفسه دولة عميلة لإيران بحيث أصبح تابعا تماما لطهران. وقد دفع هذا التحليل مؤيدي سياسة \"الزحزحة\"، من أمثال وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر، إلى الاعتقاد بأنه بإمكان واشنطن تقديم حوافز اقتصادية ودبلوماسية للسوريين، تفطمهم بها عن التبعية لإيران، كما جاء في حديثه إلى مجلة النيوزويك في كانون الثاني الماضي. وفي المقابلة نفسها كشف بيكر عن تبنيه للمغالطة الثانية، والتي تتمثل في اعتبار التحالف بين سوريا وإيران نوعا من \"زواج المصلحة\" . وهذه المقاربة العملية تنطوي على اعتقاد بأن الأيديولوجية التي يتبناها النظامان، الإيراني والسوري، غير متطابقة، وأن ما يتم من تقارب بينهما ينبع من وجود عدو مشترك، وليس نتيجة رؤى مشتركة. أما الفرضية الأخيرة فإن مصدرها هم الحلفاء السنة لواشنطن في مصر والسعودية والأردن ولبنان، الذين يزعمون أن أساس العلاقة بين إيران وسوريا، هو اشتراك النخبة الحاكمة لكليهما في المذهب الشيعي. ومن المعروف أن الملك عبد الله الثاني ملك
الأردن قد أدان التحالف بين الأسرة العلوية في سوريا، التي يقف الأسد على رأسها والجمهورية الإسلامية باعتباره يمثل \"
هلال شيعيا\" من شأنه أن يطوق لبنان والعراق، ليهدد الهيمنة السنية التقليدية في المنطقة.
وباختصار، فإن العلاقة مع إيران تعطى سوريا دورا إقليميا، مما يتيح لها أن تلعب دور الشقيق الأصغر المعتدل، لتهدئة نوبات غضب طهران. وبالنسبة لدولة تطلعت دائما إلى أن تقود العالم العربي، فإن التضحية بهذه العلاقة من شأنه أن يقلل من مكانة سوريا الإقليمية، المكانة التي لن تعوضها مرتفعات الجولان الغالية.
للمزيد من التفاصيل، شاهد الفيديو الخاص بهذا التقرير لهيثم خوند