السومرية نيوز/
كركوك
حين تسير في أحد شوارع
محافظة كركوك وتعترضك فتاة متسولة تطلب منك مبلغاً مالياً باللهجة السورية، فهي ليست
سورية بالضرورة، إذ أن حالة التنافس التي أنتجها انتشار المتسولات السوريات في كركوك مع نظيراتهن العراقيات، دفع الأخيرات إلى انتحال صفة اللاجئات السوريات من أجل الحصول على تعاطف أكبر، وبالتالي أموال أكثر.
وللتسول في كركوك حكايات أخرى، لعل أكثرها لفتاً للانتباه خروج البعض عن السياقات الرتيبة التي يتبعها المتسولون عادة، واعتماد طرق تعد مبتكرة في
المجتمع العراقي، كالقيام بحركات بهلوانية مقابل الحصول على مبلغ مالي معين ممن يرغب بالتفرج.
وتقابل هكذا حكايات لا تخلو من ظرافة، حكايات تدعو للأسى، منها حكاية سرى الدمشقي، الفتاة السورية ذات الـ14 عاماً، والتي نزحت مع عائلتها إلى
العراق بعد مقتل والدها بقذيفة من قذائف الحرب الشرسة الدائرة في بلادها.
ترتدي الدمشقي الزي الإسلامي، وتتخذ من أحد تقاطعات
طريق بغداد وسط مدينة كركوك موقعاً لممارسة التسول وكسب قوتها وقوت عائلتها.
الحرب والهجرة
وتقول الدمشقي في حديثها لـ"
السومرية نيوز"، إن "الحديث معي عن أهلي يولد المواجع لي، فأبي قتل في معركة لم يكن طرفاً فيها، إذ خرج لجلب الإفطار والخبز لنا وسقطت قذيفة مجهولة المصدر مزقت جسده، وحين خرجنا والجيران إلى موقع التفجير وجدت أبي وعدداً من الجثث ممزقة في الموقع ذاته، وحينها لم يبق لنا أي معيل سوى رب العباد".
قطعت حديثها وأجشهت بالبكاء، ثم استأنفت حديثها عن الأسباب التي دفعتها إلى امتهان التسول بالقول "التسول أقصر الطرق لكسب المال وقلوب الناس تحت مسميات عدة، والعراقيون معروفون بالكرم".
وتبين أن "معدل الدخل من التسول يختلف من شارع لآخر، وأهم الشوارع التي تدر علينا النقود شارعي الجمهورية والأطباء، ولكننا نعاني من مضايقة المتسولات العراقيات اللاتي نجد منهن منافسة شديدة".
الوجه الحسن يرفع المورد
وتستطرد الدمشقي، وهي تعلق في يدها حقيبة سوداء مع زي عراقي ترتديه عبارة عن عباءة إسلامية وشال يغطي الرأس، "الوجه الحسن والجمال يسهمان برفع المدخولات المالية التي نجنيها من التسول"، مؤكدة في الوقت نفسه "التسول ليس مهنتنا، ولكن الحاجة أجبرتنا على ذلك".
وتتوقف عن الحديث وتنسحب لتجلس على حافة الطريق الرئيس في
شارع بغداد، وتسحب من حقيبتها السوداء زجاجة ماء صغيرة لتغسل وجهها من حرارة الشمس، وتعاود حديثها "جمال المرأة يلعب دوراً مهماً في كسب ود من يدفع لنيل ثواب الدنيا والآخرة، لكن البعض يبحث عن لذة دنيوية زائلة، والكثيرون يتحرشون بنا جنسياً، لكننا لن نسير في هذا الطريق".
300 دولا مهر السورية
وتشير الدمشقي إلى أن "الكثير من العوائل النازحة إلى كركوك ومدن
كردستان هم من الأطفال والنساء، وبعض العوائل التي لديها فتيات بعمر الزواج قامت بتزويجهن من عراقيين"، موضحة أن "مهورهن تتراوح بين 100 إلى 300 دولار".
الرجال السوريون يخوضون المنافسة أيضاً
متسول سوري آخر يدعى جمال (55 عاماً)، يقف وسط شارع الأطباء في قلب مدينة الذهب الأسود، حيث منعت السيارات من دخول الشارع تزامناً مع
عيد الأضحى، فيما يبدو أن ملامح وجهه أتعبتها صروف الزمان.
يقول جمال لـ"السومرية نيوز"، إن "الظروف وما تمر به
سوريا أجبرتنا على التسول، وإلا كيف تعيش عائلة مكونة من 12 فرداً؟".
ويضيف "تركنا منزلنا في ريف دمشق وهربنا بجلدتنا ودخلنا العراق عبر
إقليم كردستان، وتم تسجيلنا رسمياً لدى
منظمة الأمم المتحدة، لكننا تركنا المخيم واستقرت بنا الأحوال في كركوك حيث نتخذ من أحد الفنادق ملجأ لنا ونتسول لكسب قوتنا".
ويتفق جمال مع مواطنته سرى الدمشقي على أن التسول هو أقصر الطرق لكسب المال، مبيناً "أنا لدي طفل معاق ومن خلاله أستطيع الحصول على المال".
حرب لن تنتهي
جمال يتوقع أن القتال في سوريا "من الصعب أن يتوقف"، مشيراً إلى أنه بدأ يعتاد على حياة التسول، لكنه يشكو من "مواجهة شرسة" من المتسولات في شوارع كركوك، ويؤكد أن النساء المتسولات أكثر بكثير من الرجال، "من خلال عملي في التسول تمكنت من عد ما يقارب الـ40 متسولة وهن من غير أهالي كركوك ويمتلكن نفوذ في شوارع المدينة"، كما يقول.
ويلفت إلى أن "الكثير من المتسولات العراقيات بعد أن اكتسح السوريون السوق بدأن ينتحلن صفة سوريات ويحملن أوراقاً كتب عليها بأنهن لاجئات من سوريا".
لجان تنظم عمل المتسولين
ويروي متسول يدعى صابر لـ"السومرية نيوز"، شيئاً من خبايا مهنة التسول، إذ يؤكد أنها "ليست كما يظن البعض مهنة حرة ومتوفرة لكل من يرغب بالتسول، فهناك قوانين ولجان مشكلة من قبل أكبر المتسولين وتضم عناصر نسوية وشباب وحتى الأطفال".
ويوضح "هذه اللجان لديها مهام، حيث تقوم بتوزيع المتسولات والمتسولين على شوارع المحافظة، وكذلك الأطفال والحالات المرضية، إذ أن اللجان تحرص على أن تكون صورة المتسول جاذبة للذي يدفع النقود".
حركات بهلوانية "خمسة بألف"
ويتطرق صابر إلى متسول اختار طريقة مختلفة في ممارسة مهنته، وهذا المتسول يدعى "جمال أبو الدقلات"، وله جمهور بدأ يتسع في أحد شوارع كركوك الرئيسة.
و"الدقلة" في اللهجة العراقية هي القفز والدوران في الهواء، وهي مشابهة للحركة التي يؤديها السباح عند القفز من المنصة المرتفعة.
ويقول صابر "جمال أبو الدقلات معروف لدى جميع المتسولين، فقد ابتعد عن خط الدعاء والتوسل لكسب النقود لأنه بارع في الحركات البهلوانية ويمتاز بطوله الذي يصل إلى مترين".
وبحسب
رواية زميله صابر، يقف "أبو الدقلات" يومياً وسط شارع الجمهورية وسط المحافظة ويصيح "وينهم أهل الدقلات والحركات؟ خمسة بألف"، والكثيرون يدفعون له ألف دينار ويقوم بتأدية حركات بهلوانية مقابل ذلك.
وعن النساء المتسولات، يشير صابر إلى أن "السوريات موجودات ولكنهن قليلات، إلا أن بعض المتسولات العراقيات لجأن إلى انتحال صفة اللاجئات السوريات من أجل كسب تعاطف الناس معهن بشكل أكبر".
تشخيص سهل وحل صعب
ويرى ناشط في مجال حقوق الإنسان أن الحد من ظاهرة التسول "أمر ضروري لأن الموضوع بالغ الخطورة"، فيما يعزو مجلس المحافظة سبب عدم القضاء على الظاهرة بشكل نهائي إلى "الوضع الخاص" لكركوك، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن هناك إجراءات متبعة أسهمت في التقليل من أعداد المتسولين.
ويقول الناشط
عبد الرحمن علي، في حديث لـ"السومرية نيوز"، إن "ظاهرة التسول من المواضيع المهمة وعلى إدارة ومجلس محافظة كركوك والأجهزة الأمنية متابعة هذا الملف لما فيه من مخاطر كثيرة أمنياً واجتماعياً"، مشدداً على ضرورة "منع ظاهرة التسول في ظل وجود مافيات وعصابات تستغل الأطفال والنساء حتى جنسياً".
بدورها، تقول رئيس
لجنة حقوق الإنسان والمرأة والطفل في
مجلس محافظة كركوك جوان حسن عارف، في حديث لـ"السومرية نيوز"، إن "مجلس المحافظة يعمل منذ فترة للحد من ظاهرة التسول في المحافظة، ولكن بسبب الوضع الخاص لمحافظة كركوك لم نستطع إيجاد حل نهائي للموضوع".
وتعزو أسباب انتشار ظاهرة التسول إلى "سهولة دخول هؤلاء المتسولين إلى المحافظة قادمين من مناطق مختلفة من العراق".
وتشير عارف إلى أن "هناك متعهدين وشبكات"، مؤكدة أن "مجلس المحافظة قام بإجراءات عدة بالتعاون مع شرطة كركوك والقائممقامية تمثلت بتنفيذ حملة لملاحقتهم وإلقاء القبض على رؤساء الشبكات والمتعهدين الذين يستأجرون أطفالا ويجندونهم، وقد نجحت الحملة في تقليل أعداد المتسولين".