السومرية نيوز /
دهوك
وضب
جاسم خليل (62 عاما) مقتنياته المنزلية البسيطة في حقائب وأكياس استعدادا للرحيل من قريته الواقعة على الحدود العراقية التركية، للحفاظ على أرواح أفراد أسرته، تاركا خلفه آمالا بالعودة.
خليل مواطن كردي من أبناء قرية كشان شمال
محافظة دهوك، لم يتمكن من إخفاء ملامح الحزن على وجهه، كونه لم يكن يأمل بترك مزرعته مجددا، إلا أن التصعيد الأخير بين حزب
العمال الكردستاني والحكومة التركية أجبر العديد من المواطنين على ترك مدنهم بحثا عن مناطق أكثر أمنا.
وتشهد المناطق الواقعة على الشريط الحدودي بين
العراق وتركيا هجمات عنيفة من قبل الجيش التركي الذي بدأ بشن غارات جوية على المناطق الحدودية بإقليم
كردستان التي يتخذها مسلحو
حزب العمال الكردستاني معقلا لهم، وتأتي هذه الهجمات بعد هدنة بين الطرفين استمرت لأكثر من عامين.
ويقول خليل في حديث لـ
السومرية نيوز، "لم يعد بإمكاني ممارسة حياتي الطبيعية في القرية خشية القصف التركي الذي سيحيلها إلى ساحة حرب.. علينا إنقاذ أسرنا".
ويستذكر المأساة التي تعرض لها سكان المناطق الحدودية خلال الفترات الماضية بسبب الهجمات التركية، ويؤكد أن "ذلك القصف أسفر عن وقوع خسائر بشرية ومادية كبيرة".
ويضيف أن "هذه هي المرة الرابع التي أترك فيها قريتي خلال السنوات العشر الماضية نتيجة الهجمات التركية"، مبينا أن "وضع الآخرين ليس أفضل مني".
ويوضح أنه قام خلال الموسم الحالي بزراعة مساحات واسعة من الأراضي بالفاكهة والخضروات، كون المنطقة شهدت خلال العامين الماضيين استقرارا ملحوظا بسبب وقف العمليات العسكرية بين حزب العمال وتركيا، مما دفع العديد من مزارعي المنطقة إلى تطوير أراضيهم، معربا عن أمله بعودة الاستقرار إلى القرية لكي يعود إليها مجددا من أجل مواصلة الزراعة وتربية مواشيه من دون خوف.
وبحسب مصادر مطلعة في دهوك، فإن سكان أكثر من 200 قرية حدودية في المحافظة لا يستطيعون العودة إلى قراهم خوفا من الهجمات التركية المتكررة، وهم يعيشون أوضاعا إنسانية واقتصادية صعبة بعيدا عن مناطقهم، كما تسببت الهجمات بحدوث خسائر كبيرة في الأراضي الزراعية والغابات في المنطقة.
وأعلنت السلطات التركية، أمس الأربعاء، منطقة شرناخ الحدودية مع العراق "منطقة عسكرية مغلقة"، وحظرت التجول فيها لمدة أسبوعين، في أعقاب التوترات الأخيرة في المنطقة، الأمر الذي اعتبره حزب العمال الكردستاني "محاولة للسيطرة على كافة مفاصل حياة المواطنين في المناطق الكردية"، لافتا إلى أن "
تركيا أنهت عملية السلام بهذه الممارسات".
تصعيدات وبوادر أزمة دبلوماسية
لم تقتصر تبعات الهجمات التركية على الجانب العسكري فحسب، وإنما تلتها مواقف وتصعيدات أفضت إلى تشكيل بوادر أزمة دبلوماسية اكتملت معالمها بعد بيان
الحكومة العراقية التي اعتبرت فيه القصف التركي على المناطق الحدودية "تصعيدا خطيرا واعتداء على السيادة"، وما أعقب ذلك من سلسلة مواقف كان آخرها رد من الخارجية التركية وصفت فيه موقف العراق بأنه "سلبي ومخيب للآمال"، كما اتهمته ضمنا بأنه "عاجز" عن السيطرة على حدوده.
وأكد
رئيس الوزراء التركي داود
أوغلو أن بلاده ستتخذ كافة الإجراءات لحماية أمنها القومي، لافتا إلى أن رئيس
إقليم كردستان مسعود بارزاني أكد أحقية تركيا بتنفيذ عملية ضد حزب العمال الكردستاني، إلا أن رئاسة الإقليم أصدرت فيما بعد بيانا طالبت فيه بإبعاد الحرب بين تركيا وحزب العمال عن كردستان.
واستنكرت
جامعة الدول العربية في بيان أصدرته، أمس الأربعاء، القصف التركي على مناطق في شمال العراق، وطالبتها باحترام سيادة العراق على كامل أراضيه والالتزام بمبادئ حسن الجوار، في حين أعلنت قطر تحفظها على البيان وأكدت تضامنها الكامل مع تركيا في ما تتخذه من إجراءات وتدابير لحماية حدودها وحفظ أمنها واستقرارها.
ويقول الباحث في شؤون الحرب بين تركيا وحزب العمال الكردستاني بيار مصطفى لـ السومرية نيوز، إن "الهجمات التركية على حزب العمال ستلحق ضررا كبيرا على المدى البعيد في تركيا والمنطقة أيضا، لاسيما وأن الأخيرة تخوض حربا ضد تنظيم داعش".
ويشير مصطفى إلى أن "الحكومة التركية لم تف بوعودها خلال السنوات الماضية ولم تتخذ خطوات جدية بشأن الملف الكردي والقضايا الأخرى أيضا"، عازيا أسباب ذلك إلى "انتهاج الحكومة التركية سياسة مختلفة لاسيما بعد بدء الأزمة السورية ما أدى إلى حدوث أزمة في العلاقات التركية مع دول المنطقة".
تركيا تلقت الحرب كهدية
ويواصل مصطفى حديثه بالقول، إن "حزب العمال الكردستاني يتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية كونه لم يُجد ممارسة العلاقات الخارجية والدبلوماسية منذ اعتقال عبد الله أوجلان"، معتبرا أن "الهجوم على الشرطة التركية كان بمثابة هدية قدمت على طبق من ذهب للحكومة التركية لشن هجومها على العمال الكردستاني".
ويبين أن "الحكومة التركية الحالية بإمكانها أن تحقق مكاسب آنية من خلال هجومها على العمال الكردستاني"، عادا أن "تركيا وضعت نفسها في مأزق جديد وهي الحرب مع الكرد ما ينعكس سلبا على الاستقرار الداخلي وستكون هي الخاسر الأكبر في النهاية".
ويأتي الهجوم التركي عقب إعلان جماعة من فدائيي الزعيم الكردي التركي المعتقل عبد الله أوجلان قتل شرطيين تركيين في منطقة أورفا الأسبوع الماضي، فيما يرى مراقبون أن الهجوم التركي جاء بعد موافقة
أنقرة على فتح قاعدة انجرليك أمام طائرات التحالف لضرب مسلحي تنظيم "داعش".
وتهدف تركيا من خلال الهجوم وقف تأثير حزب العمال الكردستاني على المناطق الكردية بسوريا بعدما حقق المقاتلون الكرد السوريون انتصارات على "داعش". وتخشى تركيا من أن تسهم تلك الانتصارات التي يدعمها
التحالف الدولي في إعلان كيان كردي في
سوريا.
وكانت مجموعات من مسلحي حزب العمال الكردستاني بدأت انسحابها إلى شمالي العراق في شهر أيار 2013 ضمن إطار وقف إطلاق النار ومبادرة أوجلان للسلام، إلا أن الحزب أعلن في آب من العام ذاته وقف سحب مسلحيه من تركيا، مبينا أن القرار جاء لعدم استجابة الحكومة التركية لاتخاذ أية خطوات تجاه عملية السلام، فيما أكد التزامه بقرار وقف إطلاق النار الذي أعلنه في 21 آذار 2013 استجابة لنداء زعميه المعتقل عبد الله أوجلان.