السومرية نيوز/ديالى
لم يتمالك
الشاب محمد صبار وهو في العقد الثالث من عمره أعصابه وأجهش بالبكاء وهو يقف قرب قبر خطيبته في وسط مقبرة الشريف شرق
بعقوبة، والتي قتلت بانفجار سيارة مفخخة قبل عامين في الضواحي الجنوبية للمدينة.
"لم أفارق قبرها أبدا وآتي لزيارتها بين الحين والآخر، فهي حبيبتي الغالية، كنا نحلم ببناء أسرة سعيدة لكن العنف خطفها مني وتركني وحيداً أعاني الألم والحزن"، يقول صبار في حديثه لـ"
السومرية نيوز".
حب لا يموت
واستبعد صبار الذي كان في حالة نفسية سيئة، أن يرتبط بإنسانة أخرى لشدة محبته لخطيبته التي تربطه بها قصة حب طويلة بالإضافة إلى صلة قرابة التي تجمعهما، مؤكداً "ما زلت أحبها، حبها يسكن قلبي ولم يمت، وعندما آتي إلى قبرها أحس بأنها لا تزال حية تشعر بوجودي".
يشار إلى أن زيارة المقبرة في أي محافظة من محافظات
العراق في عيد
الفطر تعكس صورة حزينة ومفجعة لما سببته أعمال العنف من ألم حاد في قلوب المواطنين لفقدهم أهلهم وأحباءهم، ولعل الحب هو الصلة التي تبقي حالة التواصل بين الأحياء والأموات الذي يصل أحياناً إلى العشق الذي لا يموت.
وتعد مقبرة الشريف (5 كم شرق بعقوبة)، إحدى أكبر وأبرز مقابر
محافظة ديالى، تقع على ضفاف
نهر ديالى وتزيد مساحتها على 40 دونما، ويرجع تاريخ إنشائها إلى نحو
ثمانية قرون مضت وتضم قبور العديد من علماء الدين، إلى جانب عشرات الآلاف من القبور أغلبها لضحايا العنف والعمليات الإرهابية التي شهدتها المحافظة.
وفاء للموتى
أما (ع.س) فهو شاب في منتصف العقد الثاني من عمره، يقف أمام قبر زوجته التي قتلت العام الماضي بانفجار عبوة ناسفة في منطقة حي المهندسين شمال شرق بعقوبة، ولم يمض على زواجهما سوى 8 أشهر، يقول في حديث لـ"السومرية نيوز"، "لا أصدق حتى يومنا هذا بأنني فقدت أغلى إنسانة في حياتي، لكني مؤمن بقدر الله ولكل أجل كتاب".
ويضيف "آتي لزيارة قبر زوجتي كلما استطعت لقراءة القرآن قرب قبرها لتحل السكينة على روحها"، مؤكداً "حبي لزوجتي دفعني للوفاء لها والاستمرار بزيارة قبرها وعدم التفكير بالارتباط بغيرها لأنني ملتزم بقسم كنت قد قطعته لها قبل مقتلها".
ويلفت الشاب (ع. س) "كنت من أسعد الناس عندما تزوجت حبيبتي وكنت أحلم بأن أكون عائلة، ولكن الإرهاب والسياسيين الذين دمروا حياتنا وبلدنا هم من تسببوا بالمآسي والفواجع للكثير من أبناء الوطن".
18 ألف ضحية للعنف
بدوره، يقول الباحث الاجتماعي ظافر اللهيبي في حديث لـ"السومرية نيوز"، إن "محافظة
ديالى فقدت في دوامة العنف خلال السنوات الماضية نحو 18 ألف قتيل أغلبهم كانوا من شريحة الشباب بعضهم متزوج والبعض الآخر عازب أو في طريقه للزواج".
ويشير إلى أن "أغلب أسر المحافظة طالها العنف وأنتج مآسي عدة، منها مقتل شاب بعد أيام من زفافه أو استهداف حفل
زفاف بعبوة تسفر عن مقتل العريس أو العروس، والكثير من القصص التي يتناقلها أهالي المحافظة".
ويتابع اللهيبي "مآسي العنف لا يمكن سردها جميعها، فكل أسرة تزور المقبرة تمثل بمضمونها قصة مأساوية يمكن أن تتحول إلى
رواية لما تحويه من ألم وحزن وقسوة تبكي الحجر لتراجيديتها".
قتلهما العشق
ويلوح أحد سكان بعقوبة ويدعى
إسماعيل حاتم، إلى قبر قريب له في أطراف مقبرة الشريف، ويبين في حديث لـ"السومرية نيوز"، أن "هذا القبر يعود لشاب عاشق ضحا بحياته وفاءً لحبيبته فكانت قصتهما مثالاً حياً على أن الحب أقوى من الإرهاب والطائفية".
ويسرد حاتم قصة قريبه قائلاً، بأنه "كان شاباً فقير الحال يسكن في قرية زراعية بالضواحي الجنوبية لمدينة بعقوبة، أحب فتاة تنتمي إلى أسرة ثرية ومن مذهب مختلف، لكن الحب جمعهما وانهارت بحبهما كل تعقيدات الحياة".
ويلفت حاتم إلى أن "أشقاء الفتاة انتمى بعضهم إلى أحد التيارات الإسلامية
المتطرفة وأرادوا تزويجها برجل متشدد لكنها رفضت وقتلت نفسها".
ويتابع حاتم "الشاب عمد إلى زيارة قبر الفتاة بشكل متواصل رغم علمه بأن الجماعات المسلحة تهيمن على أغلب مناطق بعقوبة في بدايات عام 2007 وخاصة قرب المقبرة التي دفنت فيها الفتاة، ولكنه كان يصر على الذاهب لقبرها فوقع
فريسة سيطرة وهمية وقتل وشاءت الأقدار أن يدفن قرب قبر حبيبته".
ويشير إلى أن "زيارته إلى قبر الشاب
المغدور جاءت وفاءاً للصداقة التي جمعتهما وتأكيداً على أنه يمثل حالة نادرة في التضحية من أجل من نحب، ويمكن أن تسجل حالة استثنائية تفوق ما تم تدوينه في كتب العشق والغرام والوفاء للمحبوب".