وبحسب التقرير، فإن حملة مكافحة الفساد التي يقودها
رئيس الوزراء العراقي
علي الزيدي تركزت بصورة خاصة على
وزارة النفط، مع فتح تحقيقات ومراجعة لعدد من الصفقات والعقود الحكومية، الأمر الذي قد ينعكس على طبيعة الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة خلال المرحلة المقبلة.
وأشار التقرير إلى أن الحملة بدأت باعتقال مسؤولين في وزارة النفط، قبل أن تتوسع لتشمل عمليات أمنية في
بغداد، لافتاً إلى أن التحقيقات شملت ملفات تتعلق بتهريب المنتجات النفطية وتحويلات مالية، مع الإشارة إلى عقوبات أميركية سابقة طالت عدداً من المسؤولين والشخصيات المرتبطة بقطاع النفط والفصائل المسلحة.
ووفقاً للتقرير، أصبحت الشركات الصينية لاعباً رئيسياً في قطاع النفط العراقي، إذ تستحوذ على حصة كبيرة من الاحتياطيات والإنتاج، فيما تُعد شركة CNPC من أبرز الشركات الأجنبية العاملة في الحقول العراقية.
وأضاف أن الجولة الأخيرة من تراخيص التنقيب والإنتاج عززت الحضور الصيني، بعدما فازت شركات صينية بمعظم الرقع المطروحة تقريباً، في وقت غابت فيه الشركات الأميركية عن المنافسة.
ويرى التقرير أن هذا النفوذ لا يرتبط بالعقود النفطية وحدها، بل يتقاطع أيضاً مع البيئة الأمنية والسياسية في جنوب
العراق، حيث تعتمد بعض الشركات الأجنبية على ترتيبات أمنية محلية لحماية عملياتها.
وتناول التقرير دور
هيئة الحشد الشعبي والفصائل المنضوية فيها، مشيراً إلى أن بعض هذه الفصائل تمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً، فيما تربط
واشنطن عدداً منها بإيران وتفرض عقوبات على شخصيات وكيانات تابعة لها.
كما أشار إلى شركة "المهندس العامة" بوصفها إحدى الأذرع التجارية المرتبطة بالحشد الشعبي، لافتاً إلى عقوبات أميركية فرضت عليها بسبب اتهامات تتعلق بالالتفاف على العقوبات المفروضة على
إيران وملفات فساد وتهريب أسلحة.
وبحسب التقرير، فإن العلاقة بين الأمن المحلي والاستثمارات النفطية تشكل أحد الجوانب التي تجعل المنافسة الأميركية والصينية في العراق أكثر تعقيداً.
في المقابل، لفت التقرير إلى عودة شركات نفطية غربية كبرى إلى السوق العراقية، من بينها Chevron وExxonMobil وBP، إلى جانب استمرار استثمارات TotalEnergies.
وأشار إلى اتفاقات ومفاوضات أولية تتعلق بعدد من الحقول الكبرى، بينها غرب القرنة-2 ومجنون وحقول
كركوك، في وقت تسعى فيه بغداد إلى تطوير الإنتاج وتعزيز البنية التحتية لقطاع الطاقة.
ويرى التقرير أن عودة الشركات الغربية تجري بالتوازي مع حملة مكافحة الفساد، ولا تعني بالضرورة أنها نتيجة مباشرة لها، إذ ترتبط أيضاً بعوامل أخرى، من بينها العقوبات المفروضة على بعض الشركات الروسية والمفاوضات العراقية-الأميركية في مجال الطاقة.
ولم يقتصر التقرير على النفط، بل وضع الثروة المعدنية العراقية ضمن دائرة التنافس الدولي، مشيراً إلى تقديرات رسمية لقيمة الموارد المعدنية في البلاد بمليارات الدولارات.
ويبرز العراق، بحسب التقرير، باحتياطيات كبيرة من الفوسفات في منطقة عكاشات بمحافظة
الأنبار، إضافة إلى رواسب الكبريت في المشراق قرب
الموصل.
غير أن استثمار هذه الموارد لا يزال يواجه تحديات كبيرة، أبرزها تضرر البنية التحتية نتيجة عقود من الحروب والعقوبات، فضلاً عن غياب عقود أميركية أو صينية كبرى تستهدف هذه الموارد بشكل مباشر حتى الآن.
ويربط التقرير بين الحرب مع إيران ومستقبل سلاسل توريد المعادن الحيوية، خصوصاً في ظل الهيمنة الصينية على إنتاج العناصر الأرضية النادرة ومعالجتها.
ويشير إلى أن أي اضطراب في الإمدادات القادمة من المنطقة يمكن أن ينعكس على الصناعات التكنولوجية والدفاعية العالمية، ما يجعل الموارد المعدنية العراقية محل اهتمام محتمل للقوى الاقتصادية الكبرى.
وفي هذا السياق، تحاول
الولايات المتحدة تعزيز شراكاتها الدولية في مجال المعادن الحيوية، بينما تواصل
الصين توسيع نفوذها في سلاسل الإمداد المرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا.
ويخلص التقرير إلى أن نجاح حملة مكافحة الفساد العراقية في التأثير على النفوذ الاقتصادي للصين سيعتمد على مدى اتساعها، وما إذا كانت ستقتصر على ملاحقة مسؤولين محددين أم تمتد إلى مراجعة شبكات المصالح والعقود طويلة الأمد.
ورغم تصاعد المنافسة، فإن العقود التي تدير بموجبها الشركات الصينية حقولاً نفطية كبرى في العراق يصعب تغييرها سريعاً، ما يعني أن بغداد قد تتجه إلى إعادة تنظيم شروط الاستثمار والعقود الجديدة بدلاً من إلغاء الاتفاقات القائمة.
أما عودة الشركات الأميركية والغربية، فقد تمنح العراق مساحة أوسع للموازنة بين القوى الاقتصادية الكبرى، خصوصاً إذا نجحت بغداد في استثمار التنافس الدولي للحصول على شروط أفضل في مشاريع النفط والغاز والبنية التحتية.
ويشير التقرير في النهاية إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة: استمرار حملة مكافحة الفساد وتوسيعها، أو توقفها عند حدود المسؤولين الحاليين، أو نجاحها في تقليص الفساد النفطي مع بقاء النفوذ السياسي والأمني للفصائل المسلحة.