وجاء هذا التراجع، الأكبر منذ حزيران، مدفوعًا بتداخل عدة عوامل، تصدرتها القفزة في أسعار النفط وما رافقها من تجدد المخاوف بشأن استمرار الضغوط التضخمية، إلى جانب موجة بيع حادة طالت أسهم التكنولوجيا والشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما دفع بعض المستثمرين إلى تسييل مراكزهم في الذهب لتلبية طلبات الهامش واحتياجات السيولة.
ورغم أن انخفاض عوائد سندات الخزانة الأمريكية يُفترض أن يوفر دعماً للذهب، باعتباره أصلاً لا يدر عائداً، فإن
المعدن لم ينجح في الاستفادة بوضوح من هذا العامل، مع تحول أنظار المستثمرين إلى اجتماع مجلس
الاحتياطي الفيدرالي هذا الأسبوع، ونبرة رئيسه كيفن وورش بشأن المسار المقبل لأسعار الفائدة.
أسباب الهبوط
ويرى محلل الأسواق المالية في "First Financial Markets"، أحمد شريم، أن التراجع الحالي "لا يعني بالضرورة انتهاء الاتجاه الصاعد للذهب"، معتبراً أن جزءاً من الهبوط يرتبط بإعادة تسعير علاوة المخاطر والتوترات الجيوسياسية، إلى جانب حاجة المستثمرين إلى السيولة.
وأضاف، أن المستثمر "لا يريد بيع الذهب، لكنه مضطر إلى ذلك لأنه الأصل الأكثر سيولة"، ولا سيما في ظل الضغوط التي تشهدها أسواق الأسهم، والمخاوف المرتبطة بتجارة
الذكاء الاصطناعي، وارتفاع مستويات الديون وأسعار النفط.
ويُنوّه شريم إلى أن لجوء المستثمرين إلى الذهب كمصدر للسيولة خلال فترات التوتر لا ينتقص من دوره كملاذ آمن، لكنه قد يفرض ضغوطاً مؤقتة على أسعاره.
محطة محورية
ويمثل اجتماع الفيدرالي المقبل محطة محورية في تحديد اتجاه الذهب؛ فالأسواق تتوقع على نطاق واسع تثبيت أسعار الفائدة، إلا أن تركيز المستثمرين سينصب بصورة أكبر على تفسير وورش للقرار، خصوصاً بعد أن أظهرت بيانات التضخم الأخيرة ضغوطاً أقوى.
وبحسب شريم، فإن "نبرة الفيدرالي إذا كانت تيسيرية فستكون إيجابية للذهب بكل تأكيد"، في وقت قد يؤدي استمرار
ارتفاع أسعار النفط إلى إبقاء المخاوف التضخمية حاضرة، وتقليص قدرة البنك المركزي على التحول سريعاً نحو سياسة نقدية أقل تشدداً.
من الناحية الفنية، يرى شريم إشارات قد توفر بعض الدعم للذهب بعد موجة الهبوط الأخيرة، موضحاً أن مؤشر القوة النسبية اقترب من 33 نقطة، أي بالقرب من مستويات التشبع البيعي، ما يجعله أكثر إيجابية تجاه المعدن على المدى المتوسط، رغم استمرار مخاطر الهبوط في الأجل القصير.
قوتان متعاكستان
كما يشير إلى وجود فجوة بين سلوك المضاربين والمستثمرين طويلي الأجل، ففي الوقت الذي تتعرض فيه الأسعار لضغوط بيعية، واصلت حيازات صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب ارتفاعها.
وبحسب شريم، تعكس هذه التدفقات استمرار الرهان الاستثماري طويل الأجل على المعدن.
ويدخل الذهب الأسبوع الجديد بين قوتين متعاكستين: ضغوط السيولة والتضخم والفائدة من جهة، واستمرار الطلب الاستثماري وانخفاض العوائد واقتراب المؤشرات الفنية من مستويات التشبع البيعي من جهة أخرى.
وسيظل مستوى 3900 دولار منطقة مراقبة مهمة في حال تجدد الضغوط الهبوطية، فيما قد تمنح أي لهجة أقل تشدداً من الفيدرالي الذهب فرصة لاستعادة مستوى 4000 دولار وتثبيته مجدداً.