ففي حزيران 2026، أصدرت بكين ورقة بيضاء بعنوان "حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً: مبادئ
الصين ومقترحاتها وإجراءاتها"، تُحدد فيها رؤيتها لإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية وتعزيز صوت الدول النامية، التي يُشار إليها غالباً باسم الجنوب العالمي.
وتستند هذه الوثيقة إلى مبادرة الحوكمة العالمية التي كشف عنها الرئيس شي في أيلول 2025، وتأتي استكمالاً لمبادراته السابقة في مجالات التنمية العالمية والأمن العالمي والحضارة العالمية، وتُشكّل هذه الأطر مجتمعةً حجر الزاوية في أجندة الصين الدبلوماسية الأوسع.
وتُشير الورقة البيضاء إلى أن هياكل الحوكمة العالمية القائمة تواجه تحديات متزايدة في ظل التوترات الجيوسياسية والصراعات وعدم اليقين الاقتصادي والتفاوتات التنموية. بحسب بكين، ثمة حاجة إلى إصلاحات لجعل المؤسسات الدولية أكثر شمولاً وتمثيلاً واستجابةً لاحتياجات الدول النامية.
وتُقدّم الصين نفسها كداعم للتعددية والنظام الدولي الذي تتمحور حوله
الأمم المتحدة. وتُشدّد الورقة على مبادئ مثل التشاور والمساهمة المشتركة والمنافع المتبادلة، داعيةً إلى ما تصفه بنظام دولي أكثر توازناً وإنصافاً.
ويرى المسؤولون الصينيون أن هذه المبادرة تعكس تطلعات العديد من الدول النامية الساعية إلى تمثيل أكبر في صنع القرار العالمي. وقد صرّح وزير الخارجية
وانغ يي بأن المبادرة تهدف إلى المساعدة في معالجة ما تسميه الصين "قصور الحوكمة العالمية"، وتقديم أفكار وحلول صينية للتحديات الدولية.
كما تُسلّط الورقة البيضاء الضوء على انخراط الصين المتزايد مع الدول النامية من خلال منصات مثل مجموعة البريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومنتدى التعاون الصيني الأفريقي، ومبادرة الحزام والطريق.
ويُجادل المسؤولون الصينيون بشكل متزايد بأن العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، حيث ينبغي للدول النامية أن تضطلع بدور أكبر في صياغة الشؤون الدولية.
ويُعدّ دعم الصين للجنوب العالمي أحد المحاور الرئيسية للكتاب الأبيض. ويصف المسؤولون الصينيون صعود الدول النامية بأنه أحد أهم الاتجاهات في
السياسة الدولية، ويُجادلون بأن هذه الدول تستحق صوتًا أقوى في الحوكمة العالمية.
وصف نائب وزير الخارجية مياو دي يو مؤخرًا صعود الجنوب العالمي بأنه "لا يُمكن إيقافه"، ودعا إلى مزيد من التعاون بين الدول النامية من خلال منصات مثل مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون.
وتُصوّر الصين نفسها بشكل متزايد كشريك طبيعي للدول النامية، مستشهدةً بتجربتها التنموية، واستثماراتها في البنية التحتية، وعلاقاتها التجارية، ومبادرات التعاون بين بلدان الجنوب، وأثار تركيز الصين المتزايد على بلدان الجنوب العالمي نقاشًا بين صانعي السياسات والأكاديميين والحكومات في جميع أنحاء العالم.
ويرى المؤيدون أن الصين أصبحت صوتًا مؤثرًا للدول النامية بفضل صعودها الاقتصادي، وانخراطها الواسع في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ودعوتها لإصلاحات في المؤسسات العالمية. ويشيرون إلى مبادرات مثل
مبادرة الحزام والطريق، وتوسيع عضوية مجموعة البريكس، وزيادة تمويل التنمية كدليل على التزام بكين تجاه العالم النامي.
في المقابل، يتساءل المنتقدون عما إذا كان بإمكان الصين أن تدّعي شرعية قيادة بلدان الجنوب العالمي نظرًا لمكانتها كثاني أكبر اقتصاد في العالم ونفوذها الجيوسياسي المتنامي. ويرى بعض المحللين أن رؤية بكين للحوكمة العالمية تخدم في
المقام الأول مصالح الصين الاستراتيجية، وتسعى إلى توسيع نفوذها داخل المؤسسات الدولية.
وقد برزت الهند كأحد أبرز الأصوات البديلة، واستضافت نيودلهي العديد من قمم الجنوب العالمي، وتؤكد على ضرورة أن تسعى الدول النامية إلى تحقيق تمثيل أكبر مع الحفاظ على مشاركة بناءة مع كل من الشركاء المتقدمين والنامين.