هذا التباين في التصريحات لم يعد مجرد اختلاف في تقدير حجم الأزمة المالية، بل فتح باباً واسعاً أمام تساؤلات الموظفين والمتقاعدين والرأي العام بشأن حقيقة الوضع المالي للدولة، وقدرة الحكومة على الاستمرار في تأمين الرواتب شهرياً، خصوصاً مع استمرار الضغوط على الإيرادات النفطية والتحديات المرتبطة بتصدير النفط عبر
مضيق هرمز.
وتزداد حساسية الملف مع اعتماد شريحة واسعة من العراقيين على الراتب الحكومي بوصفه المصدر الأساسي للدخل، الأمر الذي يجعل أي حديث عن تأخير الرواتب، حتى وإن جاء بصيغة احتمالية، قادراً على إثارة القلق في الأسواق وبين العائلات، ولا سيما إذا تكرر الحديث عن مدد زمنية محددة مثل 40 أو 45 يوماً.
تحذير نيابي من تأخير قد يصل إلى 45 يوماً
وكان عضو
اللجنة المالية النيابية
منصور البعيجي قد أكد أن "توزيع رواتب الموظفين قد يتأخر، وربما يصل إلى 45 يوماً"، عازياً ذلك إلى "الأزمة المالية التي تمر بها
الحكومة العراقية".
وقال البعيجي لـ
السومرية نيوز، إن "هناك أزمة مالية كبيرة جداً تمر بها الحكومة العراقية، والعراق هو الخاسر الأكبر من الحرب الإيرانية الأميركية، حيث خسر 150 مليار دولار"، مبيناً أنه "منذ 28 شباط ولغاية اليوم لم يصدر ولا برميل عبر مضيق هرمز".
وأضاف أن "على الحكومة تشكيل وفد سياسي من جميع الكتل السياسية للذهاب إلى
إيران بهدف فتح المجال أمام البواخر للمرور عبر مضيق هرمز لتصدير النفط العراقي"، مشدداً على "ضرورة بقاء الوفد في إيران لحين السماح بمرور النفط العراقي عبر المضيق".
وأشار إلى أن "رواتب الموظفين تدفع من احتياطي
البنك المركزي العراقي"، محذراً من أن "
العراق يمر بأزمة خطرة جداً، وأن عدم وجود تصدير عبر مضيق هرمز قد يؤدي إلى تأخير الرواتب، وربما وصول الفاصل بين الدفعات إلى 45 يوماً".
وبهذا الطرح، انتقل الحديث من مجرد وجود أزمة سيولة إلى احتمال انعكاسها بشكل مباشر على مواعيد صرف رواتب الموظفين، وهو ما دفع إلى ردود سياسية وحكومية لتوضيح حقيقة الموقف.
اللجنة القانونية: لا يوجد شيء اسمه راتب كل 45 يوماً
في المقابل، نفت اللجنة القانونية النيابية اعتماد مدة 45 يوماً لتوزيع رواتب الموظفين، مؤكدة أن التأخير في الصرف، في حال حدوثه، لا يعني تغيير
الاستحقاق الشهري للموظف.
وقال عضو اللجنة القانونية النيابية
محمد جاسم الخفاجي إن "ما يتداول بشأن توزيع الرواتب كل 45 يوماً غير صحيح"، موضحاً أن "تأخر صرف الراتب، نتيجة الوضع المالي، لا يعني أن الشهر تحول إلى هذه المدة".
وأكد أن "الموظف يبقى مستحقاً لراتبه عن 12 شهراً، ولا يمكن أن تكون رواتبه أقل من ذلك"، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن "الأزمة المالية موجودة بالفعل وقد تتسبب بتأخر الصرف، وأن بعض الدوائر لم تتسلم رواتب موظفيها حتى الآن بسبب عدم استقرار الوضع المالي".
وهنا تظهر نقطة أساسية في الجدل الدائر؛ فهناك فرق بين تأخر صرف راتب مستحق وبين تغيير دورة الرواتب من شهرية إلى كل 40 أو 45 يوماً.
فالأولى تعني وجود مشكلة في السيولة أو إجراءات التمويل أدت إلى تأخير مؤقت، فيما تعني الثانية اعتماد آلية جديدة لصرف الرواتب، وهو ما نفته اللجنة القانونية.
الحكومة: الرواتب مؤمنة
وبالتزامن مع التصريحات النيابية، أكد المتحدث الرسمي باسم الحكومة
حيدر العبودي أن رواتب الموظفين مؤمنة، نافياً صحة المعلومات التي تتحدث عن توزيعها كل 40 يوماً.
وبذلك، أصبحت الصورة أمام المواطن قائمة على ثلاثة مواقف؛ تحذير من داخل اللجنة المالية بشأن إمكانية حصول تأخير كبير نتيجة الأزمة المالية، ونفي من اللجنة القانونية لاعتماد مدة 45 يوماً، فضلاً عن تأكيد حكومي بأن الرواتب مؤمنة ولا صحة لتوزيعها كل 40 يوماً.
وهذا التباين يطرح سؤالاً مهماً: لماذا تتكرر التصريحات التي تربط الرواتب بمدد زمنية طويلة، ثم تأتي تصريحات أخرى لتنفيها؟
لماذا تتكرر تصريحات التأخير؟
مختصون في الشأن الاقتصادي يرون أن جزءاً من هذه التصريحات قد يكون مرتبطاً بمحاولة توصيف خطورة الوضع المالي، وليس بالضرورة وجود قرار فعلي بتغيير موعد صرف الرواتب.
فالتصريح عن احتمال وصول مدة الصرف إلى 40 أو 45 يوماً يمكن أن يكون تحذيراً من أسوأ السيناريوهات في حال استمرار تراجع الإيرادات أو تعطل الصادرات النفطية، بينما يأتي النفي الحكومي والنيابي للتأكيد على عدم وجود قرار رسمي باعتماد هذه الآلية.
ويشير المختصون إلى أن الحديث عن أزمة سيولة لا يعني بالضرورة إفلاس الدولة أو توقف دفع الرواتب، لكنه يعني أن الحكومة قد تواجه صعوبة في توفير السيولة في التوقيت المطلوب، خصوصاً عندما تكون النفقات الثابتة مرتفعة والإيرادات غير مستقرة.
كما أن تضارب التصريحات قد يؤدي بحد ذاته إلى نتائج سلبية، لأن الموظف والمواطن لا يتعاملان مع الأرقام والنسب الاقتصادية فقط، وإنما مع موعد محدد ينتظران فيه الراتب لتسديد الإيجار والديون والأقساط وشراء الاحتياجات الأساسية.
هل هناك أهداف سياسية وراء التصريحات؟
ولا يمكن الجزم بأن جميع التصريحات التي تتحدث عن تأخير الرواتب تقف وراءها أهداف سياسية، إلا أن مختصين يرون أن ملف الرواتب من أكثر الملفات حساسية وقابلية للتوظيف السياسي، نظراً لارتباطه المباشر بحياة ملايين العراقيين.
وقد تستخدم بعض القوى السياسية الحديث عن الرواتب للضغط باتجاه إجراءات محددة، سواء فيما يتعلق بإدارة الملف النفطي، أو مكافحة الهدر والفساد، أو إعادة النظر في سلم الرواتب، أو تخفيض رواتب الدرجات العليا.
وفي هذا السياق، دعا الخفاجي إلى "تبني مقترح لخفض الرواتب وتحديد وتنظيم رواتب الرئاسات"، معتبراً أن "البدء بالإصلاح يجب أن يكون من الرئاسات والدرجات العليا وصولاً إلى
المدير العام قبل الانتقال إلى بقية الموظفين، بما يحقق الإنصاف ويعزز ثقة المواطن بالإصلاح".
هل الأزمة مؤقتة أم مرشحة للاستمرار؟
المشكلة الأساسية التي تواجه المالية العراقية لا ترتبط بالرواتب وحدها، وإنما بهيكل الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على النفط في تمويل الموازنة العامة.
وعندما تتعرض صادرات النفط إلى اضطراب، أو تتراجع أسعار النفط، أو تتأثر عمليات التصدير بسبب التطورات الإقليمية، فإن الإيرادات الحكومية تتأثر بصورة مباشرة، في وقت تبقى فيه النفقات الأساسية قائمة، وفي مقدمتها الرواتب والأجور والتقاعد والرعاية الاجتماعية.
ويؤكد مختصون أن قدرة الدولة على دفع الرواتب شهرياً تعتمد على مجموعة عوامل، أبرزها حجم الإيرادات النفطية، انتظام عمليات التصدير، مستوى الإنفاق الحكومي، حجم السيولة المتوفرة، فضلاً عن قدرة
وزارة المالية على إدارة التدفقات النقدية بين الإيرادات والنفقات.
وبالتالي، فإن الإجابة عن سؤال قدرة الحكومة على الاستمرار بدفع الرواتب شهرياً لا ترتبط بتصريح واحد، وإنما بمسار الإيرادات والسيولة خلال الأشهر المقبلة.
الاحتياطي ليس حلاً دائماً
ومن النقاط التي أثارها الحديث النيابي مسألة تمويل الرواتب من الاحتياطي، وهي قضية تحتاج إلى تمييز مهم بين توفير السيولة عند الحاجة وبين الاعتماد المستمر على الاحتياطيات لمعالجة العجز.
ويحذر المختصون من أن
اللجوء إلى الاحتياطيات بصورة متكررة لمعالجة النفقات الجارية لا يمكن أن يشكل بديلاً دائماً عن الإيرادات المستدامة، لأن الاحتياطيات تمثل أداة مالية مهمة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي.
ولهذا فإن أي ضغط طويل الأمد على الإيرادات النفطية سيضع الحكومة أمام خيارات صعبة، تبدأ بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتقليل الهدر، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وصولاً إلى إعادة النظر في بعض بنود الإنفاق العام.
الإيرادات غير النفطية.. الحل المؤجل
وفي هذا الجانب، أكد الخفاجي أهمية رفع الإيرادات غير النفطية، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أنها مورد مساعد للاقتصاد ولا يمكن أن تكون بديلاً كاملاً عن الإيرادات النفطية.
ويعد هذا الملف من أبرز التحديات المزمنة أمام الاقتصاد العراقي، إذ إن زيادة الإيرادات من
الضرائب والرسوم والجمارك وقطاعات الدولة المختلفة يمكن أن تخفف الضغط عن
الخزينة، لكنها تحتاج إلى إصلاحات إدارية واقتصادية واسعة.
ويرى مختصون أن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على البحث عن أموال لتأمين رواتب شهر واحد، وإنما يجب أن تتجه إلى بناء نظام مالي قادر على مواجهة الصدمات، خصوصاً أن الاقتصاد العراقي يبقى معرضاً للتأثر بأي اضطراب في سوق النفط أو طرق التصدير.
سلم الرواتب يعود إلى الواجهة
وفي الوقت نفسه، عاد ملف سلم الرواتب إلى دائرة النقاش باعتباره أحد الملفات التي يمكن أن تسهم في إعادة تنظيم الإنفاق الحكومي.
فالحديث عن وجود رواتب منخفضة جداً مقابل رواتب مرتفعة يطرح سؤالاً حول العدالة في توزيع الإنفاق العام، إلا أن أي تعديل شامل في سلم الرواتب يحتاج إلى دراسة دقيقة، لأن زيادة الرواتب المنخفضة مع الإبقاء على الرواتب المرتفعة ستتطلب تخصيصات مالية إضافية.
ولهذا يرى مختصون أن الإصلاح لا يعني بالضرورة خفض رواتب الموظفين بصورة عشوائية، وإنما إعادة ترتيب هيكل الرواتب والتخصيصات، ومعالجة الفوارق غير المبررة، وضمان توجيه الإنفاق إلى الشرائح الأكثر حاجة.
الهدر والفساد.. الوجه الآخر للأزمة
وفي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن نقص السيولة، يشير مختصون إلى أن معالجة المالية العامة لا يمكن أن تعتمد على زيادة الإيرادات فقط، بل يجب أن تترافق مع تقليل النفقات غير الضرورية ومواجهة الهدر والفساد.
وقد أشار الخفاجي إلى وجود هدر كبير في المناقصات وعمليات الشراء، فضلاً عن ملفات أخرى يمكن معالجتها من خلال القانون والرقابة، مؤكداً أن معالجة الأزمة لا تحتاج بالضرورة إلى قانون جديد، وإنما إلى وقف هدر المال العام والفساد في دوائر الدولة.
وهنا تبرز معادلة مهمة: كل دينار يتم توفيره من الهدر والإنفاق غير الضروري يمكن أن يخفف الضغط على الخزينة، لكنه لا يعالج بمفرده مشكلة اعتماد الدولة الكبير على النفط.
هل تتأخر الرواتب فعلاً؟
حتى الآن، وبحسب التصريحات الحكومية والنيابية الواردة، لا يوجد ما يؤكد اعتماد جدول رسمي جديد يقوم على صرف الرواتب كل 40 أو 45 يوماً.
أما احتمال حصول تأخير في بعض الدوائر أو في بعض الأشهر، فهو أمر مختلف عن اعتماد دورة دفع جديدة، وقد يرتبط بتوقيت وصول الإيرادات والسيولة وإجراءات التمويل.
وبذلك، فإن الحديث عن راتب كل 45 يوماً لا ينبغي أن يُفهم على أنه قرار بتغيير الاستحقاق الشهري، خصوصاً مع تأكيد اللجنة القانونية أن الموظف يستحق راتبه عن 12 شهراً، ونفي الحكومة اعتماد مدة الأربعين يوماً.
بين التطمين والتحذير
وبينما تسعى الحكومة إلى طمأنة الموظفين بأن رواتبهم مؤمنة، تأتي التحذيرات النيابية لتسلط الضوء على حجم الضغوط المالية التي تواجه الدولة.
ويرى مختصون أن المطلوب في هذه المرحلة ليس فقط إصدار بيانات النفي أو التحذير، وإنما تقديم معلومات واضحة للرأي العام حول حجم الإيرادات المتوقعة، ومقدار النفقات الشهرية، وحجم السيولة المتاحة، وخطة الحكومة لتأمين الرواتب في حال استمرار الأزمة.
فالمواطن لا يبحث عن تطمينات مؤقتة بقدر ما يريد معرفة ما إذا كان راتبه سيصل في موعده المعتاد، خصوصاً أن أي تأخير في الرواتب ينعكس سريعاً على الأسواق وحركة البيع والشراء والالتزامات المالية للعائلات.
وفي المحصلة، يبدو أن أزمة الرواتب في العراق تقف عند مفترق طرق بين واقع مالي صعب وتصريحات متباينة؛ فالحكومة تؤكد تأمين الرواتب، فيما تحذر أصوات نيابية من تداعيات استمرار أزمة الإيرادات وتعطل التصدير.
ويبقى العامل الحاسم خلال المرحلة المقبلة هو قدرة الحكومة على الحفاظ على تدفق الإيرادات وإدارة السيولة بكفاءة، بالتزامن مع تقليل الهدر وزيادة الإيرادات غير النفطية، بما يضمن استمرار دفع الرواتب شهرياً وعدم تحول التأخير المؤقت إلى مشكلة مزمنة تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وما بين تصريح يحذر من 45 يوماً ونفي رسمي يؤكد عدم اعتمادها، تبقى الحقيقة الأهم بالنسبة للموظف العراقي واحدة: الراتب استحقاق شهري، وأي تأخير فيه لا يمثل مجرد مشكلة مالية، بل أزمة تمس الحياة اليومية لملايين المواطنين.