وكثفت
الأجهزة الأمنية والقضائية امس إجراءاتها ضمن حملة مكافحة الفساد، عبر تنفيذ أوامر قبض بحق عدد من المسؤولين والمتهمين في قضايا تتعلق بالمال العام، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها جزء من استراتيجية متواصلة لتعزيز سيادة القانون وحماية الأموال العامة.
وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم
الحكومة العراقية حيدر العبودي، أن "الحكومة تتبنى منهجية محددة لمكافحة الفساد"، مشيراً إلى أن "عمليات الاعتقال مستمرة ضمن خطة مكافحة الفساد".
وأضاف أن "منهج الحكومة مستمر في مكافحة الفساد كونها أهم ركائز سيادة الدولة"، مبيناً أن "حملة مكافحة الفساد نالت إشادات لأنها تمت بشفافية للحفاظ على المال العام".
ورغم هذه الرسائل الحكومية الواضحة، لم تصدر حتى الآن مواقف داعمة بصورة جماعية من معظم الكتل السياسية، الأمر الذي فتح باب التساؤلات حول أسباب غياب الدعم العلني لحملة يفترض أنها تحظى بإجماع وطني، باعتبار أن مكافحة الفساد كانت على مدى سنوات من أبرز الشعارات التي رفعتها القوى السياسية في برامجها الانتخابية وخطاباتها الإعلامية.
ويرى مراقبون أن أحد أسباب هذا الصمت يتمثل في حساسية الملف، إذ إن التحقيقات قد تطال شخصيات تنتمي إلى كتل أو أحزاب مختلفة، ما يدفع تلك القوى إلى تجنب إصدار مواقف قد تضعها لاحقاً في موقف حرج إذا شملت الإجراءات شخصيات محسوبة عليها.
ويشير آخرون إلى أن بعض القوى السياسية تفضل انتظار اتضاح مسار الحملة وما إذا كانت ستستمر بوتيرة واحدة وتشمل جميع المتهمين من مختلف الانتماءات، قبل إعلان موقفها، خشية أن تُتهم بتأييد حملة قد تُفسر لاحقاً على أنها ذات طابع انتقائي أو سياسي، في حال لم تستند إلى معايير قانونية موحدة.
في المقابل، يؤكد متابعون أن "الصمت السياسي قد يُفسر أيضاً على أنه محاولة لعدم خسارة قواعد أو شخصيات نافذة داخل بعض الأحزاب، خصوصاً أن ملفات الفساد في
العراق غالباً ما تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع الجوانب القانونية، وهو ما يجعل العديد من القوى تتعامل بحذر مع أي حملة من هذا النوع".
ويذهب مختصون بالشأن السياسي إلى أن "نجاح الحكومة في تحويل حملة مكافحة الفساد إلى مشروع دولة يتطلب دعماً سياسياً واضحاً من جميع الكتل، لأن مكافحة الفساد لا يمكن أن تعتمد على الإجراءات التنفيذية والأمنية وحدها، بل تحتاج إلى غطاء سياسي وتشريعي يضمن استمرارها بعيداً عن الضغوط أو الحسابات الحزبية".
ويؤكد مراقبون أن "غياب بيانات التأييد لا يعني بالضرورة وجود اعتراض على الحملة، لكنه يترك انطباعاً لدى الرأي العام بأن بعض القوى السياسية ما زالت تتعامل بحذر مع هذا الملف، في وقت ينتظر فيه المواطنون مواقف أكثر وضوحاً من الأحزاب التي طالما أعلنت أن مكافحة الفساد تمثل أولوية وطنية".
ويشير متابعون إلى أن "الحملة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لجميع الأطراف، سواء للحكومة التي تؤكد استمرارها في تنفيذ القانون دون تمييز، أو للقوى السياسية التي ستكون مطالبة بإثبات أن دعمها لمكافحة الفساد لا يقتصر على الشعارات، وإنما يترجم إلى مواقف عملية تؤيد ملاحقة أي متهم، بغض النظر عن موقعه أو انتمائه".
وفي ظل استمرار تنفيذ أوامر القبض، يترقب
الشارع العراقي اتساع دائرة التأييد السياسي للحملة، باعتبار أن توحيد المواقف خلف جهود مكافحة الفساد سيعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ويبعث برسالة مفادها أن مواجهة الفساد أصبحت مسؤولية وطنية مشتركة، وليست مجرد حملة حكومية مؤقتة أو مرتبطة بظرف سياسي معين.