انتجت انتخابات العام 2005 مشهدا سياسيا غلبت فيه الاستقطابات والتحالفات على اسس طائفية وقومية، وتوزع البرلمان في ضوئها الى ثلاث كتل اساسية كبرى هي الكتلة الشيعية ممثلة بالائتلاف العراقي الموحد،...
انتجت انتخابات العام 2005 مشهدا سياسيا غلبت فيه الاستقطابات والتحالفات على اسس طائفية وقومية، وتوزع البرلمان في ضوئها الى ثلاث كتل اساسية كبرى هي الكتلة الشيعية ممثلة بالائتلاف العراقي الموحد، والكتلة السنية التي مثلتها جبهة التوافق والحزب الاسلامي العراقي الى جانب
التحالف الكردستاني الذي ضم الاحزاب الكردية، فضلا عن تمثيل نسبي للقائمة الوطنية العراقية التي حاولت ان ترفع شعارات وطنية عامة عابرة للطائفية.
بيد ان هذا المشهد لم يظل ثابتا مع توالي الانشقاقات في شتى الكتل البرلمانية والاحزاب نفسها الشيعية او السنية منها على حد سواء.
القطب الشيعي الذي هيمن على الائتلاف العراقي الموحد، حاز بعد اول انتخابات تشريعية جرت في البلاد عقب سقوط النظام على مئة وثمانية وعشرين مقعدا من مقاعد البرلمان المئتين والخمسة والسبعين. فكانت حصة المجلس الاسلامي الاعلى ثلاثين مقعدا، وحزب الدعوة الاسلامية بشقيه خمسة وعشرين مقعدا، وثمانية وعشرون مقعدا للمستقلين والمكونات الاخرى، فيما حاز كل من التيار الصدري على ثلاثين مقعدا وحزب الفضيلة خمسة عشر مقعدا، لكنهما انسحبا من الائتلاف اواسط عام الفين وثمانية بعد انتقاده بوصفه \"ائتلاف طائفي\".
لكن حلفاء رئيس الحكومة
نوري المالكي في صيغة العام 2005، سبقوه الى اعلان ائتلافهم في الرابع والعشرين من اب الماضي، وهي خطوة اعتبرها البعض انقلابا على
المالكي وعزلا له، او في ابسط صوره فرض امر واقع عليه واشتراطات انتخابية تحددها هذه القوى.
واستقطب ائتلافهم الذي حمل اسم
الائتلاف الوطني العراقي بعض المكونات الاساسية في الائتلاف الموحد السابق كالتيار الصدري الذي شكل كتلة جماهيرية واضحة في المشهد السابق، وحزب الفضيلة الذي كان له نفوذه الواضح في المحافظات الجنوبية، الى جانب تيار الاصلاح الوطني الذي يتزعمه رئيس حزب الدعوة ورئيس الحكومة سابقا ابراهيم
الجعفري، بالاضافة الى مكونات سياسية اخرى سنية هذه المرة ومن بينها مجلس انقاذ
الانبار برئاسة حميد الهايس وجماعة علماء
العراق برئاسة الشيخ خالد الملا.
اما المالكي، فدخل الانتخابات الحالية بشعار \"دولة القانون\" الذي خاض تحت لوائه انتخابات مجالس المحافظات، وهو شعار وطني عام ميزه حينه عن حلفائه السابقين في الائتلاف العراقي الموحد وعزز موقعه بعد ان تمكن من خلاله من الحصول على اعلى الاصوات في تسع محافظات عراقية من اصل اربع عشرة.
ويبدو ان المالكي عبر ائتلافه الجديد يريد تعزيز الاستراتيجية نفسها التي اعتمدها في الانتخابات المحلية السابقة، بالابتعاد عن الاساس الطائفي الذي قام عليه حزبه، وربط شعاره الانتخابي بموقعه كرئيس للحكومة وممثلا لدولة القانون والمواطنة. لكن منتقدي ائتلاف المالكي يرون انه يظل مقتصرا على حزب الدعوة بل وعلى شخص رئيس الحكومة مستثمرا ما حققه من نجاح نسبي في الانتخابات المحلية السابقة وما تحقق على ارض الواقع من انجازات امنية. هذا ولم ينجح ائتلاف المالكي في استقطاب بعض القوى الاساسية في البرلمان الحالي كالقائمة العراقية وان استقطب بعض نوابها امثال صفية السهيل ومهدي الحافظ، او الحصول على نسبة تمثيل اكبر ضمن المكون السني.
وعلى الجبهة السنيّة، عدوى الانشقاق تفشّت في عروقها، ومنذ انتخابات 2005 حدثت انشقاقات عدة في جبهة التوافق التي كانت تمثل يوما التحالف الرئيس للسنة في البلاد. فضلا عن الضربات التي تلقّتها اوّلا باتهام رئيسها النائب عدنان الدليمي بالتورط في اعمال عنف طائفية فيما مضى، وثانيا استقالة نائب رئيس الجمهورية من رئاسة الحزب الاسلامي لتضمّ النسخة الجديدة من الجبهة الحزب الاسلامي ولكن برئاسة اسامة التكريتي و\'\'تجمع أهل العراق\'\' بزعامة الدليمي وبعض زعماء العشائر. وغاب عن الجبهة \'\'مجلس الحوار الوطني\" بزعامة خلف العليان الذي لم يحدد تحالفاته بعد. كما غابت \'\'الكتلة العربية المستقلة\'\' بزعامة عبد مطلق
الجبوري الذي انضم واثنان من الكتلة الى دولة القانون. ويبدو مستبعدا ان تفوز الجبهة التي تضم
رئيس البرلمان اياد السامرائي بنفس عدد المقاعد الذي حصلت عليه في عام 2005 نتيجة الانقسامات بين الناخبين السنة، وفشل الجبهة باستقطاب شخصيات سياسية بارزة، او اقلّه الابقاء على شخصيات محوريّة فيها.
في هذا الوقت، اتحد نائب الرئيس
طارق الهاشمي ورئيس الحكومة السابق
اياد علاوي لخوض الانتخابات على اساس برنامج قومي، اطلق عليه ائتلاف العراقية. وانضمت اليهما جبهة الحوار الوطني التي تعرّض قرارها لمدّ وجزر متأثرا بتحركات هيئة المساءلة والعدالة لحظر مشاركة زعيم الجبهة
صالح المطلك، والنائب ظافر
العاني في الانتخابات بدعوى صلتهما بحزب البعث.
اما
وزير الداخلية جواد البولاني وأحمد ابو ريشة رئيس مجلس صحوة الانبار ورعد مولود مخلص رئيس تجمع من اجل العراق، والشيخ احمد عبد الغفور السامرائي رئيس
ديوان الوقف السني، فشكلوا ائتلاف وحدة العراق، بعدما جرى الاعتقاد خلال فترة ما بين الانتخابات ان العشائر ستشكّل كتلة متراصة تخوض على اساسها انتخابات العام 2010.
وبالنسبة للجبهة الكردية، فقليل ما يقال في هذا الاطار، اذ ان حزبي الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني يهيمنان على التحالف الكردي ولا يتوقّع تغيير في المشهد الانتخابي في الشمال. ومع هذا ضعفت قبضتهما على المنطقة الكردية أمام كتلة التغيير التي تدعو للاصلاح والتي حققت نتائج طيبة في الانتخابات البرلمانية الكردية في العام الماضي والتي ستخوض الانتخابات التشريعيّة منفردة.
واذا كانت هذه التحالفات ايذانا بمشهد سياسي عراقي جديد قد تفرزه الانتخابات البرلمانية المقبلة وقد يغيب عنه الكثير من الوجوه البارزة التي افرزتها انتخابات العام 2005، الا ان الرهان معقود على تصاعد المفاوضات والاستقطابات والحراك السياسي بين الاطراف في مشهد سياسي تفترض البقاء فيه، القدرة على التحالف مع الاخرين.
للمزيد من التفاصيل، شاهد الفيديو الخاص بهذا التقرير لتريسي شاكر