السومرية نيوز/
ديالى
ترك حامد شكر (28 عاماً) واثنان من اخوته "زريبة" الجواميس خالية، في منزلهم الواقع بمنطقة ريفية تبعد عن مركز
بعقوبة بنحو (9 كم شمالا) للحصول على وظائف حكومية.
وينظر شكر الى حظيرة صغيرة مازال فيها بقايا قش ومخلفات ستة جواميس باعتها العائلة لـ"عدم التفرغ"، فشكر تمكن من الحصول على وظيفة في مركز طبي قرب منطقته، فيما التحق شقيقه الثاني بسلك الشرطة، والاخر بات حارساً ليليا في مدرسة، لذا لم يعد باستطاعة والدة شكر ووالده الهرميّن تربية حيوانات ضخمة ومتطلبة كالجاموس.
"عائلتي كانت تربي
الجاموس منذ اجيال لكن الوضع تغير الان، لم تعد المهنة تلبي متطلبات الحياة فلجأنا الى الوظائف الحكومية لتأمين مصادر رزق ثابتة لأسرنا"، يعلق شكر في حديث لـ"
السومرية نيوز".
وعلى الرغم من شهرة ديالى، بزراعة البرتقال والحمضيات، لكن لها نصيبا في تربية الجاموس الذي تناقصت اعداده بشكل ملفت للنظر خلال السنوات العشر الماضية، لاسباب يعزوها مراقبون الى شح المياه والتردي الامني، وتغير الطبيعة الاجتماعية للفئة المربية والمسماة بـ"المعدان".
ويؤكد مدير شعبة الثروة الحيوانية في ديالى قيس
عبد الجليل في حديث لـ"السومرية نيوز" ان "المحافظة باتت تحتفظ الان باكثر من 10 الاف رأس جاموس"، منوها الى ان "اعداد الجاموس والمربين تناقصت بشكل مضطرد، لجهة استيراد منتجات الالبان بشكل كبير، وتغير طبيعة الحياة وبروز وظائف عمل اكثر ربحية".
ولم يتبق من القطيع الكبير لـخليل وادي (68 عاما) سوى جاموسة واحدة، تعينه لـ"يبقى على قيد الحياة"، بعد ان انفرط عقد قطيعه المكون من 20 رأس جاموس امتلكتها العائلة على مدى عدة سنوات، ويعلل وادي احتفاظه بـ"عزوزة" الجاموسة الاخيرة والاثيرة، التي دخل بمنازعة مع اثنين من ابنائه المنخرطين في سلك الشرطة بسبب رفضه بيعها، في حديث لـ"السومرية نيوز" بانه "لا يعرف كيف يعيش بعيدا عن مهنته".
ويصرّ وادي على "الاعتناء بعزوزة" رغم مرضه وعدم قدرته على السير عدة امتار، فيما يروي ان "كل رأس جاموس في القطيع كان له اسم خاص به، أميزه عن غيره".
المربي حمدي ناهل (50 عاما) يُرجع تناقص اعداد الجاموس ومربيها على حد سواء، الى "عامل اجتماعي"، ويقول في مقابلة مع "السومرية نيوز" ان "طبيعة تفكير الشباب تغيرت، وباتوا منفتحين اكثر على العالم الخارجي".
ويلقي ناهل متحسرا على ضياع ثروته الحيوانية، باللائمة على "التعليم"، فأبناؤه الاربعة الذين التحقوا بالمدارس يرفضون العمل بمهنة ابيهم، ويبين ان "المدارس غيرت افكارهم بشكل كبير، الامر الذي دفعني الى بيع جواميسي واحدة تلو اخرى (...)، لم اجد سندا قويا في مواصلة مهنة الاباء والاجداد (...)، اليد الواحدة لا تصفق". ويحتفظ الان في زريبة ملحقة بمنزله
المتواضع، بـخمس جواميس من اصل 10 كان يمتلكها قبل بضع سنوات مضت.
ويلفت الخبير الزراعي المحلي،
عبد الهادي الربيعي، في حديث لـ"السومرية نيوز" ان "اعداد الجاموس في ديالى انخفضت بنسبة تزيد عن 40% في السنوات العشرة الماضية".
ويعزو الربيعي الاسباب الى "الاضطرابات الامنية، هجرة بعض الاسر المربية للجاموس الى مناطق اخرى خارج المحافظة، العمل في وظائف حكومية ولاسيما في الاجهزة الامنية وغالبيتهم من الشباب، قلة الدعم الحكومي للمربين واستيراد الالبان بشكل كبير".
وينوه الى ان "تربية الجاموس صعبة، وتتطلب عوامل بات توفيرها مرهقا، كتأمين برك الماء للجواميس في فصل الصيف، لذا السعي وراء وظيفة حكومية رغم صعوبات
التعيين اسهل بكثير من تربية الجاموس، العمل في الحكومة: جهد قليل ومردود جيد".
فيما يعلق اسماعيل خلف (40 عاما) ان "مهنة المعدان اصبحت في خطر"، وبينما يشير بيده الى منزله المكون من طبقتين وتزينه نقوش نباتية جميلة، يقول لـ"السومرية نيوز" ان "هذا المنزل بُني من حليب الجاموس".
ويشدد خلف في حديث لـ"السومرية نوز" على انه يشعر بالضيق من نعته بـ"المعيدي"، يقول "افخر بكوني مربي جاموس منذ طفولتي، عملت مع جدي وابي، وبات لدي الان منزل كبير وسيارة حديثة، لكن الاوضاع لم تعد كما السابق، الامور تغيرت كثيرا، مهنة المعدان باتت في خطر محدق".
قلة الدعم الحكومي ولا سيما بتوفير الاعلاف، وانخفاض سعر حليب الجاموس بسبب استيراد منتجات من الخارج، دفع خلف الى بيع الكثير من جاموسه ليحتفظ بالقليل فقط الان.
مدير شعبة الثروة الحيوانية في ديالى قيس عبد
الجليل في حديث لـ"السومرية نيوز" ان "دوائر الزراعة تدعم مربي الجاموس سنويا بالاعلاف، وفق مقدار ثابت لكل رأس"، مضيفا ان "هناك وحدة تعنى بالجاموس في شعبتنا، وهي تقدم المساعدة للمربين".
يذكر أن
المنظمة العربية لتنمية للثروة الحيوانية قد بينت خلال
إحصائية نشرتها في عام 2005 بأن هناك تناقصاً في أعداد الثروة الحيوانية في
العراق وصلت نسبته إلى 33% مقارنة بعام 1998، فيما كشفت
منظمة الأغذية والزراعة في
الأمم المتحدة (فاو) في إحصائية لها عام 2004 إن نسبة 40% من الثروة الحيوانية في العراق قد تم تهريبها بعد حرب 2003 إلى الدول المجاورة.