السومرية نيوز/النجف
تمثل توسعة العتبة العلوية في
المدينة القديمة بمحافظة
النجف، حجر الزاوية في التصميم الأساس للمدينة الجديدة الذي توالت على إعداده عدة شركات وهيئات استشارية عالمية، وقد اتخذ
مجلس محافظة النجف قراراً بتوسعة العتبة بمساحة 90 متراً من جميع الاتجاهات، وخصص لذلك 500 مليار دينار.
إلا أن الـ90 مترا هذه شملت جزءا من المدينة القديمة وسوق النجف الكبير، وهو ما أثار جدلا واسعا في الأوساط الشعبية والرسمية بين مويد ومعارض، أدلوا بآرائهم لـ"
السومرية نيوز".
جدل التوسعة
حسين العلوي صاحب أحد المحال التجارية في السوق الكبير، يؤكد "لسنا ضد توسعة
الحرم العلوي، لكننا دفعنا أموالا طائلة لشراء المحال ونحتاج إلى تعويض مجز ومكان بديل".
واشترط العلوي أن يكون المكان البديل "قريباً من الحرم العلوي بعد التوسعة".
وهو ما يتفق معه عضو مجلس المحافظة عن كتلة المواطن خالد الجشعمي، إذ يقول "السوق الكبير مركز تجاري هام ولابد من مراعاة ذلك عند التوسعة"، مضيفا "لسنا ضد التوسعة بل نعتبرها ضرورية لكن نحتاج إلى دراسة معمقة وبدائل مناسبة".
غير أن الناشط المدني عباس كريم، يرى أن "الطراز العمراني للمدينة القديمة يمثل طرازاً تراثياً مهما ولابد من المحافظة عليه"، مطالبا بـ"التوسعة باتجاه المساحات المفتوحة جنوب وغرب العتبة العلوية".
وعلى العكس من كريم، يؤيد الصحفي حيدر الجنابي إزالة جزء من السوق الكبير لتوسعة الحرم العلوي"، متسائلا "أيهما أقدم مكة أم قريش"، في إشارة إلى أن العتبة العلوية هي الأقدم والأهم من السوق.
وتحدث الجنابي عن "وجود بدائل كثيرة لأصحاب محال السوق الكبير، فيما لا يوجد سبيل لتوسعة الحرم إلا بهدم جزء من المحال والبيوت القريبة منه".
ومن العلامات المميزة بطابعها التراثي القديم أيضاً سوق النجف الكبير الواقع إلى الجهة االشرقية من العتبة العلوية والذي يمثل القلب الاقتصادي للنجف، والمحال فيه أو القيصريات كما تسمى محلياً هي جزء من الطراز العمراني للمدينة القديمة، ومحاله هي الأخرى تتصف بالضيق وصغر المساحة لكن أجورها مرتفعة للغاية في ضوء الحركة التجارية القوية فيه غير أن إحدى المهددات لهذا السوق قربه الشديد من العتبة العلوية الذي لا يتجاوز بضعة أمتار ما يجعله ضمن التوسعة المقترحة للعتبة العلوية.
مخطط التوسعة
توسعة الحرم العلوي
تمثل توسعة العتبة العلوية في النجف حاجة ماسة بنظر الجميع في ضوء صغر مساحة العتبة وكثرة عدد الزوار خاصة بعد العام 2003 من داخل وخارج
العراق.
ويقول نائب الأمين العام للعتبة العلوية زهير شربة، إن "العتبة تعاني من الضيق الشديد في ضوء الزيادة المضطردة في عدد الزوار من داخل وخارج العراق".
ويلفت إلى أن "العتبة العلوية لم تشهد توسعة تذكر منذ أكثر من
100 عام خلت"، مبيناً أن "هناك خطط لتوسعة العتبة والعمل متواصل لإنشاء صحن
فاطمة الزهراء غرب العتبة باتجاه مقام الصحابي صافي صفا".
تاريخ المدينة العمراني
مراحل تاريخية مهمة مرت بها النجف بشكلها الحالي، يعود بعضها إلى أسباب دينية ترتبط بوجود ضريح الإمام علي ابن أبي طالب فيها، ومن ثم نشوء الحوزة العلمية، إلى جانب الأسباب الاقتصادية باعتبارها مدينة تجارية حضرية تقع على حافة
الصحراء وتمثل عند نشأتها سوقا تجارية للبدو الرحل وملتقى لحركة التجارة المارة بالمنطقة، إلى جانب أسباب تاريخية وسياسية تقف أيضا وراء نشأتها التي يقول البعض من المورخين أنها كانت سنة 786م.
يتميز التخطيط العمراني لمدينة النجف القديمة منذ نشوئها بكثافة البيوت التي تمركزت بصورة رئيسة حول مرقد الإمام علي الذي يتوسط قلب المدينة القديمة وتأخذ شكلا شبه دائري.
ويوضح الباحث والمعماري الإسلامي رؤوف الأنصاري، أن "هذا الشكل الخاص يعود إلى العلاقة الروحية التي تربط الناس بضريح الإمام علي ابن أبي طالب إذ تزداد كثافة البيوت كلما اقتربت منه وتقل كلما ابتعدت عنه".
ويضيف "لذلك نلاحظ أن أكثر البيوت متلاصقة، أما الممرات والأزقة المؤدية إلى هذه البيوت فتكون في أكثر الاحيان ملتوية وذات أشكال متعرجة، وقد تنتهي بنهايات مسدودة لا مخارج لها".
ويشير الأنصاري إلى أن لهذا التخطيط أسبابه في ذلك الوقت "فهو يدل على عمق الروابط الاجتماعية والحفاظ على أمن المدينة من علميات السطو والاعتداء، وكذلك اتقاء البرد القارص والحر الشديد باعتبار أن النجف تتأثر مباشرة بالمناخ الصحراوي".
ويبين الأنصاري "استعملت في البيوت النجفية القديمة مواد بناء خفيفة في تسقيف الطابق الأول كالخشب والقَوَغ وخشب جذوع النخيل وحصران القصب أي البواري وغيرها، وذلك للتغلب على مشاكل الثقل في كتل البناء".
ويلفت إلى أن "ارتفاع الطابق الأرضي يكون عادة أقل من الطابق الأول، ويتميز أيضاً بنوافذه التي تكون في الغالب فوق مستوى النظر وهي تطل على الأزقة والشوارع".
الهجرة خارج المدينة القديمة
غير أن وضع المدينة القديمة ومنازلها هي الأخرى تغيرت الآن، فرغم ارتباط الأهالي بها روحيا لكن السكن فيها لم يعد أمرا مريحا كما كان في السابق، ويبدو أن العلاقة الحميمة بينهم وبين الأزقة الضيقة فترت في السنوات الأخرى، لأسباب عدة يوضح البعض منها الناشط المدني حسن جواد.
إذ يقول "زيادة أفراد العوائل، وتقادم المنازل، وتطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية للأهالي، وانتشار البناء الحديث، دفعهم إلى مغادرة المدينة القديمة نحو الأحياء الحديثة".
وينبه إلى أن "إعمار هذه الدور لم يعد بالأمر السهل بسبب صعوبة إدخال مواد البناء عبر الأزقة الضيقة والملتوية للمدينة"، مشيراً إلى أنه في السابق كان يتم نقل مواد البناء على ظهور
الحمير عبر الأزقة الضيقة "أما الآن فلا حمير داخل المدينة القديمة".
ويذكر جواد أن "هناك زقاق يربط بين محلتي البراق والمشراق كان يتجمع فيه المكارية من أصحاب الحمير وناقلي مواد البناء ولذلك كان يسمى بعكد الحمير"، مضيفاً "من نوادر الصدف أن عكد الحمير تحول الآن إلى سوق مشهور للكتب وهو سوق الحويش".
ويلفت جواد إلى أن "من بين الأزقة المشهورة عكد اليهودي، إذ كانت تقطنه عائلة يهودية تمتهن دباغة الجلود وصناعة الأحذية".
ويؤكد الناشط المدني "أكثر من 50% من الأهالي غادروا منازلهم في المدينة القديمة".