حديث الوزير، الذي تداولته وسائل إعلام محلية في 15 آب الحالي، جاء من دون تفاصيل واضحة بشأن طبيعة القرار أو الجهة صاحبة الصلاحية أو
الجدول الزمني لتنفيذه.
فيما نقلت تقارير أخرى عنه أن قرار حذف الأصفار وتغيير العملة حُسم، وأن الخطوة يمكن أن تسهم في إخراج الأموال المكتنزة خارج النظام المصرفي وإعادتها إلى الدورة الاقتصادية.
لكن المفارقة التي أثارت اهتمام المختصين تتمثل في أن الحكومة كانت قد نفت، في تموز الماضي، وجود أي توجه رسمي لتغيير العملة أو حذف ثلاثة أصفار من الدينار العراقي، مؤكدة أن الأنباء المتداولة بهذا الشأن لا تستند إلى قرارات رسمية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: إذا كان قرار حذف الأصفار قد صدر فعلاً، فلماذا لم تعلن عنه الحكومة والجهات النقدية والمالية الرسمية بصورة واضحة؟ وهل نحن أمام قرار جديد، أم إعادة تفعيل لمشروع قديم، أم أن ما صدر لا يتجاوز كونه قراراً بالمضي في الدراسات والإجراءات التمهيدية؟
مشروع قديم يعود إلى الواجهة
ملف حذف الأصفار ليس جديداً على الاقتصاد العراقي، إذ سبق للبنك المركزي العراقي أن أعد مشروعاً لإعادة هيكلة العملة وحذف ثلاثة أصفار من الدينار، بهدف معالجة مشكلة تضخم الأرقام النقدية وتسهيل العمليات الحسابية والمصرفية وتقليل كلف التعامل بالنقد.
واظهرت وثائق منشورة على الموقع الرسمي للبنك المركزي العراقي وجود دراسة بعنوان "إعادة هيكلة العملة العراقية – مشروع حذف الأصفار الثلاثة وكلف المعاملات النقدية"، ما يؤكد أن المشروع كان مطروحاً بصورة رسمية منذ سنوات، وليس فكرة ظهرت للمرة الأولى خلال الأيام الماضية.
وبحسب الدراسات السابقة، فإن حذف الأصفار يعني عملياً إعادة تسمية القيم النقدية، بحيث تتحول مثلاً ورقة الألف دينار إلى دينار واحد من العملة الجديدة، مع الحفاظ نظرياً على القيمة الحقيقية للمدخرات والأسعار والأجور إذا تمت عملية التحويل بصورة متوازنة ومدروسة.
وبالتالي، فإن حذف الأصفار بحد ذاته لا يعني أن المواطن سيصبح أكثر ثراءً أو أن الدينار سيكتسب قوة شرائية أكبر تلقائياً، وإنما هو بالدرجة الأولى إعادة هيكلة للوحدة النقدية وتبسيط للأرقام.
لماذا لم ينفذ
العراق المشروع حتى الآن؟
ويرى خبراء في الشأن الاقتصادي أن العقبة الأساسية أمام المشروع لم تكن فنية فقط، وإنما مرتبطة بالظروف الاقتصادية والنقدية والسياسية التي مر بها العراق خلال السنوات الماضية.
فالمشروع يحتاج إلى عملية واسعة لاستبدال العملة القديمة، وإعادة تنظيم الحسابات المصرفية، وتحديث
الأنظمة الإلكترونية والمحاسبية، وتهيئة المصارف والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، فضلاً عن إطلاق حملة توعية واسعة للمواطنين لمنع حالات التلاعب ورفع الأسعار خلال المرحلة الانتقالية.
كما أن نجاح العملية يرتبط بمدى استقرار الاقتصاد والسياسة النقدية وسعر الصرف، لأن حذف الأصفار لا يمكن أن يكون بديلاً عن معالجة التضخم أو ضعف الإنتاج أو اختلالات السوق.
ويشير البنك المركزي نفسه إلى أن موضوع إعادة هيكلة العملة وحذف الأصفار كان جزءاً من الدراسات النقدية التي تناولت مشكلات التعامل بالأرقام الكبيرة وتكاليف إدارة النقد، ما يعني أن الملف كان مطروحاً بوصفه مشروعاً طويل الأمد وليس إجراءً مفاجئاً.
قرار محسوم.. أم مجرد عودة للمشروع؟
ففي الوقت الذي يتحدث فيه وزير الاتصالات عن صدور قرار وحسم ملف تغيير العملة وحذف الأصفار، لا تزال البيانات الرسمية المنشورة والمتاحة من الجهات النقدية بحاجة إلى توضيح صريح بشأن ما إذا كان المقصود قراراً نهائياً بالتنفيذ أم قراراً بالمضي في المشروع والإجراءات التحضيرية.
وتزداد أهمية هذا التوضيح بسبب التصريحات الحكومية السابقة التي نفت وجود قرار رسمي بهذا الاتجاه.
ويرى خبراء أن مثل هذه الملفات لا تحتمل الغموض، لأن مجرد تداول أنباء عن تغيير العملة يمكن أن يؤثر في سلوك المواطنين والتجار والمستثمرين، ويفتح الباب أمام المضاربة أو استغلال المخاوف الشعبية لرفع الأسعار أو تحويل المدخرات من عملة إلى أخرى.
لذلك، فإن الإعلان عن أي خطوة بهذا الحجم يفترض أن يكون من الجهات النقدية والمالية المختصة، وبصورة تتضمن تفاصيل واضحة عن آلية الاستبدال، وسعر التحويل، وفترة التداول المزدوج، ومصير الودائع والقروض والرواتب والعقود والأسعار.
هل حذف الأصفار يخفض التضخم؟
اقتصادياً، لا يعني حذف الأصفار بحد ذاته خفض التضخم.
فالعملية النقدية يمكن أن تجعل الأرقام أسهل في التداول، لكنها لا تعالج الأسباب التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
فإذا كانت الأسعار ترتفع بسبب زيادة الطلب، أو ارتفاع تكاليف الاستيراد، أو ضعف الإنتاج المحلي، أو اختلال السياسة المالية، فإن تغيير شكل العملة لن يعالج تلك الأسباب.
ولهذا يحذر خبراء الاقتصاد من تقديم حذف الأصفار للمواطن على أنه علاج مباشر لانخفاض قيمة الدينار.
فإذا كان سعر سلعة ما ألف دينار قبل حذف الأصفار، وأصبح سعرها ديناراً واحداً بعد العملية، فإن القيمة الحقيقية للسلعة لا تتغير بمجرد تغيير الوحدة الحسابية.
والأمر نفسه ينطبق على الرواتب والمدخرات والديون، ما لم تترافق العملية مع سياسات أخرى تؤثر في القيمة الحقيقية للعملة.
أين تكمن المخاطر؟
المخاوف الأكبر، بحسب قراءات اقتصادية سابقة، ترتبط بالمرحلة الانتقالية.
فقد يستغل بعض التجار والمضاربين عدم معرفة المواطنين بآلية التحويل لرفع الأسعار أو تقريبها إلى الأعلى، خصوصاً إذا لم تكن هناك رقابة صارمة على الأسواق.
كما أن الانتقال من عملة إلى أخرى يتطلب إجراءات دقيقة لمنع التزوير وغسل الأموال والتهرب الضريبي، فضلاً عن ضرورة تحديد فترة واضحة لاستبدال الأوراق النقدية القديمة.
وهناك أيضاً مخاطر مرتبطة بثقة المواطن؛ فإذا لم تكن هناك حملة توعية رسمية واسعة، فقد يلجأ بعض المواطنين إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار أو الذهب بدافع الخوف، وهو ما قد يخلق ضغطاً إضافياً على سوق الصرف.
وقد سبق لخبراء اقتصاديين أن حذروا من الآثار النفسية والاضطرابات المحتملة في السوق عند تطبيق حذف الأصفار من دون تهيئة اقتصادية ومجتمعية مناسبة.
وماذا عن الأموال المكتنزة؟
في المقابل، يطرح مؤيدو المشروع جانباً آخر، يتعلق بالأموال النقدية الكبيرة الموجودة خارج الجهاز المصرفي.
فوزير الاتصالات
مصطفى سند ربط تنفيذ الخطوة بإمكانية إخراج الأموال المكتنزة خارج النظام المصرفي وإعادتها إلى الدورة الاقتصادية.
ويرى خبراء أن تغيير العملة يمكن أن يشكل فرصة لإعادة تنظيم الكتلة النقدية، خصوصاً إذا رافقته إجراءات مصرفية واضحة تتيح استبدال الأموال بسهولة وتدفع أصحاب الأموال إلى التعامل مع المصارف.
لكن نجاح ذلك يتوقف على تفاصيل التنفيذ، ولا يمكن اعتبار تغيير العملة وحده كافياً لإعادة الأموال إلى القطاع المصرفي.
هل يؤدي القرار إلى انهيار الدينار؟
ويرفض مختصون الربط المباشر بين حذف الأصفار وبين انهيار العملة، لأن حذف الأصفار عملية حسابية ونقدية تختلف عن تخفيض قيمة العملة.
لكن الخطر الحقيقي يظهر إذا جاءت العملية في ظروف اقتصادية غير مستقرة، أو إذا فُهمت شعبياً باعتبارها تخفيضاً لقيمة الدينار.
وفي المقابل، فإن تنفيذها ضمن خطة نقدية متكاملة، وبوجود استقرار نسبي في الأسعار وسوق الصرف، يمكن أن يجعلها خطوة تنظيمية تسهم في تبسيط التعاملات وتقليل كلفة إدارة النقد.
وتشير دراسات
البنك المركزي العراقي القديمة إلى أن تضخم أرقام العملة يفرض أعباء على العمليات الحسابية والتسويات والأنظمة الرقمية، وهي إحدى الحجج التي استند إليها مشروع إعادة هيكلة العملة.
تجربة دولية.. ليست وصفة سحرية
العراق ليس البلد الوحيد الذي ناقش حذف الأصفار، فقد لجأت دول مختلفة إلى إعادة تسمية عملاتها بعد فترات من التضخم المرتفع.
لكن التجارب الدولية تظهر أن نجاح العملية لا يرتبط بعدد الأصفار التي يتم حذفها، وإنما بالسياسات الاقتصادية التي ترافقها.
فإيران، على سبيل المثال، أقرت في عام 2025 إصلاحاً نقدياً يتضمن حذف أربعة أصفار من عملتها، مع فترة تحضيرية وانتقالية طويلة، بينما حذر منتقدو الخطوة من أن حذف الأصفار وحده لا يعيد القوة الحقيقية للعملة ما لم تعالج مسببات التضخم.
وهذا المثال يضع العراق أمام السؤال ذاته: هل المطلوب تغيير شكل الدينار، أم معالجة العوامل التي تحدد قوته الحقيقية؟
المواطن في قلب المعادلة
بالنسبة للمواطن العراقي، فإن القضية لا تتعلق بعدد الأصفار الموجودة على ورقة نقدية، وإنما بقيمة ما يستطيع شراءه بهذه الورقة.
فالمواطن يريد أن يعرف هل ستنخفض الأسعار؟ هل ستزداد القوة الشرائية؟ هل ستتغير الرواتب؟ ماذا سيحدث للمدخرات؟ وهل سيبقى الدولار مؤثراً في السوق؟
وهنا يؤكد خبراء الاقتصاد أن الإجابة لا يمكن اختزالها في عملية حذف الأصفار.
فالإصلاح النقدي الناجح يحتاج إلى إصلاح مصرفي، وضبط
مالي، وتنشيط الإنتاج المحلي، وتحسين بيئة الاستثمار، وتقليل الاعتماد على الاقتصاد النفطي، وتعزيز الثقة بالنظام المصرفي.
بين مؤيد ومعارض.. القرار يحتاج إلى شفافية
وفي المحصلة، فإن مشروع حذف الأصفار من الدينار العراقي ليس جديداً، بل هو ملف سبق أن درسه البنك المركزي العراقي بصورة رسمية، وظل لسنوات بين التأجيل وإعادة الطرح.
وبين التصريح والنفي، يجد المواطن نفسه أمام ملف نقدي حساس يحتاج إلى معلومات رسمية لا إلى التكهنات.
فالخبراء لا ينظرون إلى حذف الأصفار بوصفه قراراً سيئاً أو جيداً بصورة مطلقة؛ نجاحه أو فشله يتوقف على التوقيت، والظروف الاقتصادية، وآلية التنفيذ، والرقابة على الأسواق، ومدى استقلال السياسة النقدية، وقدرة الحكومة والبنك المركزي على حماية المواطن خلال المرحلة الانتقالية.
وبذلك، فإن السؤال الأبرز لم يعد فقط: هل سيحذف العراق الأصفار من الدينار؟ بل أصبح: هل يمتلك العراق البيئة الاقتصادية والمؤسساتية التي تجعل حذف الأصفار إصلاحاً نقدياً ناجحاً، لا مجرد تغيير في شكل الأرقام؟