على الرغم من الأنباء التي تم تداولها مؤخراً حول عملية تفاوض جرت بين السلطات الأردنية وتنظيم "
الدولة الإسلامية" لحل أزمة
الطيار الأردني معاذ الكساسبة، إلا أن التنظيم قضى على كل الآمال في الإفراج عنه وقتله.
الطيار يبدو أنه كان واثقاً من نهاية قصته بشكل مأساوي. قال ذلك في المقابلة الوحيدة التي أجرتها معه مجلة "
دابق" التي تصدرها مؤسسة "الحياة" التابعة للتنظيم. "هل تعرف ما الذي ستفعله الدولة الإسلامية بك؟.. نعم، سيقتلونني". كان تلك إجابته في عدد المجلة الذي نشر في كانون الأول/ديسمبر، العام الماضي.
الأردن أكد سريعاً نبأ مقتل الطيار، والجيش الأردني أبلغ عائلة الكساسبة بنبأ مقتل ابنهم فور شيوع الخبر، كما أنه كشف معلومة جديدة تشير إلى أن عملية القتل حدثت في الثالث من الشهر الماضي.
إفصاح السلطات عن أن العملية حصلت قبل شهر يحتمل القول إنه بهدف التخفيف من تبعات الحدث على السلطة، ودرئها تهمة التلكؤ عنها في عملية
مبادلة الطيار بالسجينة الإسلامية المحكومة بالإعدام، ساجدة الريشاوي. لكن "الإصدار" الذي بثّه التنظيم للعملية قد يعطي دلائل قاطعة ويعزز ادّعاء السلطات.
خلال المقطع المصور، وفي الجزء الذي يظهر فيه الكساسبة مثخناً بالجروح والكدمات، متحدثاً عن اليوم الذي أسقطت فيه طائرته وأسره من قبل التنظيم، قال الطيار كلاماً نُشر سابقاً في مقابلة "دابق". "تم إبلاغنا بالمهمة قبل يوم واحد في الساعة الرابعة عصراً (..) نحن نمسح المنطقة لندمر أي مضادات طائرات على الأرض ونوفر غطاءً في حال ظهرت طائرات للعدو. لاحقاً يأتي دور الطائرات المهاجمة والمزودة بصواريخ ذكية موجهة بالليزر".
هذا ما قاله الطيار في النسخة المطبوعة من كلامه وفي النسخة المصورة التي بُثّت الليلة الماضية. وقد يدحض البعض هذا التقدير ويقول أن التنظيم لقّن الطيار بالأجوبة نفسها التي قدمها في مقابلة "دابق". لكن لهذا الافتراض أيضاً دليلٌ كافٍ ينفيه ويسند الرواية الأردنية الرسمية.
أسقطت طائرة الكساسبة في
محافظة الرقة السورية يوم الجمعة 24 كانون الأول/ديسمبر. وعدد "دابق" الذي يحتوي على المقابلة مع الطيار صدر في 30 الشهر عينه. الصورة المرفقة مع نص الحوار في المجلة، تظهر كدمات وجروحاً وتورماً واضحاً على شفتي الطيار.
المقطع الذي بثه التنظيم الثلاثاء يظهر فيه الكساسبة على مرحلتين: الأولى داخلية، تحتوي لقطات تم تصويرها في
غرفة. والثانية خارجية، تظهر الطيار في مكان مدمّر، ربما يكون موقعاً سابقاً للتنظيم تعرض إلى ضربات من التحالف.
في اللقطات الداخلية تتطابق الكدمات والجروح التي بدت على وجه الطيار، مع تلك التي ظهرت على وجهه في الصورة التي تم نشرها في مقابلة "دابق". وفي المشاهد الخارجية، لا وجود لجروح أو كدمات على وجهه ما عدا الكدمة تحت عينه اليسرى، لكن بدرجة أقل من التي ظهرت في الصورة.
بالاستناد إلى رصد حالة الطقس الذي أجرته مجموعة "ون فوركاست" للأحوال الجوية في شهر كانون الأول/ديسمبر 2014، كان معدل درجات الحرارة في
الرقة يتراوح بين 13 إلى 16 درجة مئوية في
النهار.
أما في المشاهد المصورة في الموقع المدمّر، كان يخرج من فم وأنف الكساسبة بخار ناجم عن فرق درجة حرارة جسمه وحرارة الطقس.
معدل درجات الحرارة في الشهر الذي أسقطت فيه طائرته كان غير كافٍ لحدوث هذه العملية، بينما توفرت في شهر كانون الثاني/يناير درجات حرارة بين 6 إلى 9 درجات مئوية، وهي كافية لتشكل البخار أثناء عملية الزفير، الذي بدت آثاره واضحة على أقنعة الملثمين الذين ظهروا في المقطع المصور حول الأنف والفم.
بناءً على تلك المعطيات يمكن استخلاص النتيجة التالية:
التنظيم قام بإنتاج الإصدار المرئي "شفاء الصدور" على مرحلتين. الأولى، التي تضمّنت اعترافات الطيار والمعلومات التي أدلى بها عن أماكن القواعد والدول التي كانت مشاركة في اليوم الذي تم إسقاط طائرته فيه، وأنجزت في الفترة الواقعة بين تاريخ أسر الطيار ونشر مقابلة معه في مجلة دابق (24-30 كانون الأول/ديسمبر).
والمرحلة الثانية التي تضمّنت مشاهد قتله، ويظهر فيها وجهه معافىً من الكدمات والجروح إضافة إلى حالة الطقس، تشير إلى أنها أنجزت في شهر كانون الثاني/يناير. ولا دليل فعليّ على إثبات التاريخ بدقة لكن إلتئام الجروح على وجهه يمكن أن يدلل على أنها أنجزت في النصف الأول من الشهر الماضي.