آن للعرب السنّة في العراق أن يناقشوا مستقبلهم
لسنا دعاة حرب ولا طلاب فتنة ولا نبحث عن مواجهة مع أحد
ولكننا أيضاً لسنا رعايا في دولة يقرر الآخرون شكلها ومصيرها وحدهم ثم يطلبون منا
القبول بما يقررون
بعد أكثر من عشرين عاماً على قيام النظام السياسي الحالي وصلنا إلى لحظة لا يجوز معها الصمت أو الانتظار
قيل لنا إن السلاح سيُحصر بيد الدولة وإن الثلاثين من أيلول سيكون موعداً حاسماً لإنهاء السلاح خارج مؤسساتها
ثم سمعنا الآن من أحد أبرز قادة الإطار التنسيقي أن الحديث لم يعد عن نزع السلاح وإنما عن «تنظيمه واحتوائه» والتمييز بين ثقيله ومتوسطه وخفيفه
وهذا ليس خلافاً على المصطلحات
إنه بالنسبة لنا سؤال وجود وأمن ومستقبل
فأي دولة هذه التي تطبق قوانينها بكل قوتها على المواطن الأعزل بينما يبقى إلى جانبها سلاح تملكه تنظيمات سياسية وعقائدية وتقرر قياداتها متى تستخدمه ومتى تحتفظ به وكيف تنظمه؟
وأي ضمانة يمكن أن نقدمها لشبابنا ولأبنائنا إذا بقي القرار في استخدام القوة موزعاً بين الدولة وتنظيمات مسلحة لا تخضع وحدها وبصورة كاملة لأوامر مؤسساتها الدستورية؟
لقد قال
هادي العامري أخيراً إن «المقاومة» وقفت أمام ما سماه «فتنة تشرين» وحفظت الدولة والنظام السياسي
وهذه العبارة وحدها تفرض سؤالاً لا يجوز الهروب منه
بأي حق تتدخل جماعات مسلحة في مواجهة مواطنين عراقيين خرجوا للاحتجاج؟
ومن أعطاها سلطة تقرير متى يكون احتجاج العراقيين فتنة ومتى يصبح استخدام السلاح ضدهم دفاعاً عن النظام؟
إذا كان هذا قد حدث مع شباب تشرين في
بغداد والجنوب فما الذي يمنع حدوثه غداً مع أهل
الأنبار أو
الموصل أو
صلاح الدين أو
ديالى أو أي عراقيين آخرين؟
المشكلة إذن لم تعد مشكلة السنّة وحدهم
إنها مشكلة
الدولة العراقية نفسها
لكننا نحن العرب السنّة مطالبون اليوم بأن نسأل أنفسنا بشجاعة
هل النظام القائم قادر فعلاً على توفير الأمن والمساواة والشراكة لنا؟
وهل نستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية في دولة لا نملك تأثيراً حقيقياً في قرارات الحرب والسلم ولا في مستقبل القوى المسلحة التي تعمل على أرضها؟
لا نريد أن نكون جزءاً من مشروع إيراني في المنطقة
ولا نريد أن يكون العراق منصة للاعتداء على أشقائنا العرب
ولا نقبل استهداف إقليم كوردستان ومدنه
ولا نقبل أن تتحول أرض العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية
كما أننا نرفض الإساءة إلى مقدسات أي مكون عراقي
نرفض وندين الاساءة لمقدساتنا ورموزنا الدينية وأمهات المؤمنين والصحابة مثلما نحترم مقدسات الآخرين
لقد حان الوقت كي نتوقف عن إدارة مستقبل ملايين الناس عبر اجتماعات الزعامات والصفقات والتحالفات الانتخابية
القضية أكبر من حزب
وأكبر من زعيم
وأكبر من انتخابات
وأكبر من المناصب التي حصل عليها بعضنا بعد 2003
ولهذا فإن ما نسعى إليه ليس إضافة تحالف انتخابي جديد إلى التحالفات القائمة ولا إنشاء إطار آخر لتقاسم المواقع والمناصب
ما نسعى إليه أكبر من ذلك
نسعى إلى حوار سني عراقي واسع ينتهي إلى تشكيل إطار جامع للعقول والخبرات والنخب القادرة على مناقشة مستقبل أهلنا ومسؤوليتنا تجاه الأجيال القادمة
ونرى أن الخطوة الأولى لتحقيق ذلك هي تشكيل لجنة تحضيرية مستقلة تعمل على عقد مؤتمر جامع لنخب العرب السنّة في العراق
مؤتمر لا يختار المشاركين فيه على أساس المال أو المنصب أو القرب من هذه الدولة أو تلك
ولا يقتصر على الذين شاركوا في السلطة بعد 2003
بل يضم أصحاب المكانة العلمية والفكرية والاجتماعية والقانونية والسياسية والاقتصادية والعشائرية والشبابية
ويضم من شارك في العملية السياسية ومن عارضها ومن اعتزلها
وتراعى فيه الجغرافيا والتنوع الفكري والسياسي والاجتماعي لمجتمعنا
وعندما نجتمع حول هذه الطاولة ينبغي أن نترك خلف بابها حسابات أحزابنا وتنافس زعاماتنا ومصالح مواقعنا
ندخلها بما نحمله من أفكار وانتماءات وتجارب ونخرج منها محتفظين بها جميعاً
فلا أحد يطلب من أحد أن يتخلى عن حزبه أو زعيمه أو قناعته
لكننا داخل تلك القاعة لا نمثل مصالح أحزابنا ولا نراعي أمزجة زعمائها
بل نجلس بصفتنا نخباً من العرب السنّة نتحمل مسؤولية تاريخية تجاه أهلنا ومستقبل أجيالنا
فالقضية التي نريد مناقشتها أكبر من خلافاتنا وأطول عمراً من أحزابنا ومناصبنا
وما سنقرره أو نعجز عن تقريره اليوم سيعيش أبناؤنا وأحفادنا نتائجه غداً
ولا نريد أن يأتي جيل بعدنا فيسألنا لماذا عرفتم حجم الخطر ثم انشغلتم بخلافاتكم
ولماذا رأيتم ما كان يحدث لكرامتكم وهويتكم ومستقبل أبنائكم ثم تركتم الحسابات الصغيرة تمنعكم من الاجتماع على كلمة تحميهم
يجتمع هؤلاء في مكان آمن ومحايد
في أربيل أو عمّان أو دمشق أو أبوظبي أو أنقرة أو أي مدينة تتوافر فيها ضمانات الحوار الحر
وليس هدف هذا الحوار إعلان تمرد على العراق ولا التآمر على أحد ولا حمل السلاح
بل الإجابة عن سؤال واحد:
كيف نضمن لأهلنا مستقبلاً آمناً حراً كريماً لا يخضعون فيه لسلطة سلاح خارج القرار الدستوري للدولة؟
ويجب أن تكون جميع الخيارات السلمية والدستورية مطروحة للنقاش من دون خوف أو محرمات سياسية
هل نستمر ضمن الدولة المركزية بصيغتها الحالية مع ضمانات حقيقية جديدة؟
هل أصبحت الفيدرالية التي كفلها الدستور الطريق الأكثر واقعية لحماية مجتمعاتنا وإدارة مناطقنا؟
هل تحتاج العلاقة بين مكونات العراق مستقبلاً إلى صيغة أوسع من اللامركزية؟
وإذا وصلت المنطقة والعراق إلى تحولات كبرى فكيف نحمي مصالح أهلنا وحقوقهم ضمن أي ترتيبات دستورية أو إقليمية جديدة وبالوسائل السلمية والقانونية وحدها؟
هذه أسئلة تتعلق بمصير ملايين العراقيين ولا يملك فرد أو حزب أو زعامة مهما كان موقعها أن تجيب عنها منفردة
إنها تحتاج إلى عقل جماعي وإلى مشاركة أوسع ما يمكن من نخب المجتمع وقواه الحية
ومن هنا فإننا نرحب بكل جهد صادق لجمع الصفوف وبكل مبادرة تسعى إلى استعادة دور أهلنا وحماية حقوقهم ومستقبل أبنائهم
ونرى أن اللحظة التي يمر بها العراق والمنطقة تفرض علينا أن نجعل من هذه الجهود نقطة انطلاق نحو حوار أكبر وأوسع من الحسابات الانتخابية والتحالفات السياسية العابرة
نحن بحاجة إلى مجلس عقول قبل أن نحتاج إلى مجلس زعامات
ونحتاج إلى وثيقة مستقبل قبل أن نحتاج إلى قائمة انتخابية
كما ندعو الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والدول التي شاركت في تأسيس النظام العراقي بعد 2003 إلى إدراك أن استمرار دولة يتعايش داخلها السلاح الدستوري والسلاح الحزبي لا يمكن أن ينتج استقراراً دائماً
إننا نريد عراقاً واحداً سيداً عادلاً إذا كان هذا العراق قادراً على أن يكون دولة لجميع أبنائه
دولة يكون فيها السلاح واحداً
والقانون واحداً
والمواطنة واحدة
وقرار الحرب والسلم واحداً
أما أن يُطلب منا البقاء في دولة يملك فيها طرف السلاح والقرار والقوة ثم يطلب من الآخرين الاكتفاء بحصصهم من المناصب فهذا ليس شراكة
لقد صمتنا طويلاً
وجربنا كثيراً
ودفع أهلنا أثماناً باهظة
واليوم لا ندعو إلى بندقية
بل إلى طاولة
ولا ندعو إلى حرب
بل إلى حوار
ولا نقرر مسبقاً أين يجب أن ينتهي ذلك الحوار
لكننا نقول إن شيئاً واحداً لم يعد مقبولاً:
أن يقرر الآخرون مستقبلنا نيابة عنا
لقد آن للعرب السنّة في العراق أن يجتمعوا
وأن يفكروا
وأن يختلفوا بحرية
ثم أن يقرروا ماذا يريدون لمستقبل أبنائهم
بالدستور
وبالقانون
وبالحوار
وبالوسائل السلمية
وأمام العراق والعالم كله
اللجنة التحضيرية لمؤتمر العرب السنّة في العراق