الجهاز موجود أمامك، لم يسقط، ولم يتعرض للتلف، لكن الشركة أوقفت الخدمة التي يعتمد عليها.
المشهد الذي كان يبدو قبل سنوات أقرب إلى الخيال أصبح احتمالًا واقعيًا في عصر الأجهزة المتصلة بالإنترنت، حيث لم تعد ملكية المنتج تعني بالضرورة امتلاك كل ما يحتاج إليه للعمل، فالكاميرات، والأقفال، وأجهزة المنزل الذكي، والسيارات وحتى بعض الأجهزة الإلكترونية أصبحت تعتمد على البرمجيات والتطبيقات والخدمات السحابية التي تظل تحت سيطرة الشركات المصنعة.
ليس جهازًا فقط
التحول الأساس في سوق الإلكترونيات، اليوم، هو انتقال المنتجات من كونها أدوات مستقلة إلى أجهزة مرتبطة باستمرار ببنية رقمية خارجية، فعند شراء كاميرا منزلية ذكية، على سبيل المثال، لا تحصل فقط على العدسة والمستشعر والدوائر الإلكترونية، بل تعتمد بعض وظائفها على تطبيق، وخوادم سحابية، وحساب لدى الشركة.
والأمر نفسه ينطبق على مجموعة واسعة من المنتجات المتصلة، إذ قد تحتاج إلى الاتصال بالإنترنت لتلقي التحديثات أو مزامنة البيانات أو تشغيل بعض الميزات.
وهنا تظهر المفارقة، حيث إن المستهلك يملك الجهاز ماديًا، لكنه قد لا يملك البيئة الرقمية التي تمنحه كامل وظائفه.
تعطيل الجهاز عن بُعد
لا تحتاج الشركة إلى إرسال شخص إلى منزلك لتعطيل جهاز متصل، إذ يكفي في كثير من الحالات أن يكون المنتج مرتبطًا بخوادمها.
فعندما يتصل الجهاز بالإنترنت، يمكن أن يتلقّى تحديثات وأوامر وتغييرات في طريقة تشغيل بعض وظائفه.
وإذا توقفت الخوادم التي يعتمد عليها، فقد تتوقف الميزات المرتبطة بها حتى لو كانت المكونات الداخلية للجهاز تعمل بصورة طبيعية.
وقد يحدث ذلك عبر إيقاف الخدمة السحابية، أو تعطيل الحسابات، أو وقف دعم التطبيق، أو إصدار تحديث برمجي يغير طريقة عمل الجهاز.
وتحذّر
لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية من أن توقف الدعم والتحديثات في بعض الأجهزة الذكية قد يؤدي إلى فقدان وظائف مهمة أو إلى ظهور مشكلات أمنية، خاصة عندما يعتمد المنتج على خدمات الشركة بصورة أساسية.
لا يتوقف بالكامل
لكن مصطلح تعطيل الجهاز قد يكون مضللًا في بعض الحالات، فالشركة قد لا توقف الجهاز بالكامل، وإنما تنهي جزءًا من الخدمات التي كان يقدمها.
فقد تظل الكاميرا قادرة على التسجيل محليًا، لكنها تفقد إمكانية التخزين السحابي أو المشاهدة عن بُعد.
وقد يستمر القفل الذكي في العمل بطريقة معينة، لكنه يفقد وظائف التطبيق.
وفي حالات أخرى، يمكن أن يتحول الجهاز إلى منتج محدود القدرات مقارنة بما كان عليه عند شرائه.
وهذا يجعل المشكلة أكثر تعقيدًا، لأن المستخدم قد ينظر إلى الجهاز على أنه يعمل، بينما تكون الوظيفة الأساسية التي دفع مقابلها قد اختفت.
انتهاء التحديثات
لا تحتاج الشركة أيضًا إلى إيقاف الجهاز حتى تقل قيمته، فقد تستمر في بيعه وتشغيله، لكنها تتوقف عن توفير تحديثات البرامج والأمان.
ومع ظهور ثغرات جديدة، يصبح الجهاز معرضًا لمخاطر أمنية لم تكن موجودة عند شرائه.
وفي هذا السياق، أشارت التقارير إلى أن نحو 89% من الشركات لم تكن توفر للمستهلكين معلومات واضحة حول المدة التي ستقدم خلالها تحديثات البرامج، الأمر الذي جعل المستهلكين يواجهون صعوبة في معرفة المدة التي سيظل فيها المنتج مدعومًا، وهو أمر قد يؤثر في قرار الشراء وقيمة الجهاز على المدى الطويل.
مفهوم الملكية التقنية
المسألة تكشف تحولًا أوسع في مفهوم الملكية التقنية، فعندما يشتري المستخدم جهازًا تقليديًا، تكون العلاقة مع الشركة في الغالب قد انتهت بعد عملية الشراء، باستثناء الضمان والصيانة.
أما في الأجهزة المتصلة، فقد تستمر العلاقة لسنوات، لأن الجهاز يعتمد على حساب وتطبيق وتحديثات وخوادم خارجية.
وبالتالي، فإن سعر المنتج لا يمثل دائمًا التكلفة أو القيمة الكاملة التي يحصل عليها المستخدم.
فقد يكون الجهاز رخيصًا نسبيًا، لكنه يعتمد على اشتراك شهري. وقد يكون مرتفع السعر، لكنه يفقد بعض وظائفه إذا أوقفت الشركة خدمتها مستقبلًا.
الشركات تملك البرمجيات
السبب الرئيس وراء هذه المعضلة هو الفصل بين ملكية العتاد، وحقوق استخدام البرمجيات. فشراء الهاتف أو الكاميرا أو السيارة لا يعني بالضرورة امتلاك البرمجيات التي تشغلها أو الخدمات التي توفر بعض وظائفها.
وغالبًا ما يخضع استخدام هذه البرمجيات لشروط وأحكام تحددها الشركة. ولا يعني ذلك أن الشركة تستطيع قانونيًا فعل أي شيء تريده بالجهاز.
فالحقوق تختلف بحسب البلد، ونوع المنتج، والعقد، والقوانين المحلية، لكن من الناحية التقنية، يمكن للشركة أن تملك قدرًا كبيرًا من التحكم في المنتج إذا كان مصممًا ليعتمد على بنيتها السحابية.
نصائح قبل الشراء
مع توسع سوق الأجهزة المتصلة، لم يعد السؤال عن المواصفات والسعر كافيًا.
وينصح المستهلك بالنظر إلى مدة الدعم البرمجي، ومعرفة ما إذا كان الجهاز يعمل دون اتصال بالإنترنت، وما إذا كانت الوظائف الأساسية تعتمد على خوادم الشركة، وما الذي يحدث إذا توقفت الخدمة أو أغلقت الشركة منتجها.
كما ينبغي الانتباه إلى الاشتراكات، لأن الجهاز الذي يبدو شراءً لمرة واحدة قد يتحول عمليًا إلى خدمة مستمرة.
الملكية في العصر الرقمي
القضية في النهاية لا تتعلق فقط بإمكانية تعطيل جهاز عن بُعد، وإنما بتغير مفهوم الملكية نفسه. فالجهاز الذي تدفع ثمنه اليوم قد يكون جزء منه في منزلك، وجزء آخر موجودًا على خوادم الشركة، وجزء ثالث داخل تطبيق يمكن تغييره في أي لحظة.
لهذا، فإن السؤال الذي قد يصبح أكثر أهمية عند شراء الأجهزة الذكية مستقبلًا ليس فقط ماذا يستطيع هذا الجهاز أن يفعل؟ بل ماذا سيبقى قادرًا على فعله إذا قررت الشركة يومًا أن تتوقف عن دعمه؟