وأوضحت
وزارة الدفاع السعودية أنّ هذا الانتشار يندرج في إطار تعزيز التعاون الدفاعي المشترك ودعم الأمن والاستقرار إقليمياً ودولياً، في حين شدّد مسؤول باكستاني، فضّل عدم الكشف عن هويّته، وفق وكالة رويترز، على أنّ هذه القوّات "ليست لمهاجمة أحد".
ويطرح هذا التحرّك أسئلة عدّة عن توقيته ودلالاته، وعلاقته بمستقبل الضمانات الأمنية الأمريكية في
الخليج، إلى جانب تحدّيات التوافق بين التكنولوجيا العسكرية
الباكستانية، التي يعتمد جزء كبير منها على
الصين، والمنظومات الدفاعية الأمريكية، فضلاً عن انعكاسات ذلك على دور باكستان كوسيط يُفترض أنّه مقبول لكلّ الأطراف.
واعتبر متابعون أنّ الانفتاح السعودي على باكستان، المتمثّل في إبرام اتفاق دفاعي معها قبل نحو عام، يُعتبر طبقة إضافية من الردع لتعزيز هامش المناورة وتقليل الاعتماد الأحادي على
واشنطن، في ظلّ تذمّر خليجي غير رسمي بأنّ قرار واشنطن بشنّ حرب على
طهران لم يأخذ في الحسبان المصالح الخليجية ولا الأضرار التي ستتكبّدها هذه الدول بسبب اندلاع هذه الحرب، لا سيما أنّ
الحرس الثوري الإيراني صوّب جزءاً كبيراً من مسيّراته وصواريخه الباليستية نحو دول الخليج ومنشآتها الحيوية والنفطية وأحياناً المدنية.
في هذا السياق، اعتبر الخبير الأمني والاستراتيجي السعودي حسن الشهري أنّ انتشار القوات الجويّة الباكستانية على الأراضي
السعودية يعكس تحوّلاً سعودياً لتنويع الضمانات الأمنية في إطار الشراكة الدفاعية بين البلدين، واصفاً هذا الخطوة بأنّها "تحوّط ذكي"، فهي من جهة تُبقِي على الشراكة مع واشنطن، ومن جهة ثانية، تبني ردعاً موازياً مع باكستان.
وتنص اتفاقية الدفاع المشترك الاستراتيجية (SMDA) الموقّعة بين
الرياض وإسلام آباد في أيلول 2025 على أنّ أيّ هجوم على أحد الطرفين يُعدّ هجوماً على كليهما. هذا التطوّر لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع يتّسم بتزايد الشكوك الخليجية حيال جدّية الضمانات الأمنية الأمريكية، وبحثٍ متزايد عن بدائل أو مكمّلات قادرة على سدّ أيّ فراغ محتمل.
وتوقّع الخبير السعودي، وفق "
بي بي سي عربي"، أن تسهم الاتفاقية الدفاعية الاستراتيجية مع باكستان في رفع كلفة أيّ هجوم محتمل من قبل
إيران أو حلفائها، أو من أيّ جهة أخرى، بشكل يدفع هذه الأطراف إلى إعادة حساباتها قبل استهداف السعودية أو دول الخليج.
إبرام الاتفاق الدفاعي بين البلدين جاء قبل أشهر من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وبالتالي وصول هذه القوّات الباكستانية يُعتبر بمثابة الاختبار الأوّل لمدى جدّية تفعيل هذه الاتفاقية، حتى وإن لم يكن هدفها "مهاجمة" أحد، كما صرّح المسؤول الباكستاني وفق رويترز.
وكانت الرياض قد طلبت مساندة الجيش الباكستاني في حربها في
اليمن عام 2015 إلّا أنّ البرلمان الباكستاني حينها رفض تمرير هذا الطلب. وبحسب الشهري، فإن الواقع اليوم مختلف وهناك اتفاق دفاعي يجمع السعودية وباكستان. أمّا الصحافي الأمريكي المختصّ في الشؤون الدفاعية والعسكرية
سيباستيان روبلن فيقول: "يجدر التذكير بأنّ الحرب في اليمن شهدت تدخّلاً بريّاً سعودياً ذا طابع هجومي داخل الأراضي اليمنية، بينما يقتصر الموقف السعودي في هذه الحرب حتى الآن على الطابع الدفاعي".
وبحسب الباحث المصري د. مصطفى شلش، مدير وحدة دراسات
جنوب آسيا في
مركز الدراسات العربية الأوراسية، يُعتبر الانتشار الباكستاني في السعودية أقرب إلى تجسيد رمزي لتفعيل الالتزام الدفاعي الباكستاني تجاه السعودية، ورسالة تؤكّد على ما وصفه بـ"وفاء" إسلام آباد لحلفائها، لا سيما في ظلّ تساؤلات تردّدت أخيراً داخل السعودية حول دور باكستان بعد أكثر من شهر على الحرب. وعليه، فإنّ وجود هذه القوّات يميل، وفق رؤيته، في هذه المرحلة تحديداً، إلى "الطابع الرمزي أكثر من كونه انخراطاً فعلياً وواسعاً في العمليات القتالية".
واعتبر شلش أنّ باكستان قوّة عسكرية ونوويّة كبرى لكّنها ضعيفة اقتصادياً وتعتمد في اقتصاداتها على البلدان الخليجية لا سيما في مسألة العمالة، رابطاً وصول القوّات الباكستانية إلى السعودية بتقارير عن إقرار حزمة مساعدات مالية سعودية وقطرية لباكستان بلغت 5 مليارات دولار أمريكي، والتي تداولتها تقارير صحفية أخيراً من دون تأكيد رسمي.
في المقابل اعتبر الصحافي الأمريكي سيباستيان روبلن أن السعودية عملت على تنمية شراكات أخرى للتحوّط ضدّ ما وصفه بـ"عدم الاستقرار" في علاقتها مع الولايات المتّحدة، معتبراً أن الهدف من جرّاء ذلك هو إثارة نوع مما سمّاه "غيرة التحالف" لدفع واشنطن إلى الحفاظ على شراكتها معها خشية أن تحلّ دول أخرى محلّها - لذا يرى روبلن أنّ حضور باكستان العسكري يدعم الرياض من خلال إظهار الأخيرة قدرتها على استقطاب حلفاء آخرين إلى جانبها، وتوفير عنصر احتياطي إلى جانب التحالف مع الولايات المتّحدة.