ويرى خبراء اقتصاديون أن "قطاع الصيرفة يمثل واحداً من أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد العراقي، لارتباطه بحركة الأموال والتحويلات المالية وسوق الصرف، ما يجعل أي شبهات تتعلق بصفقات مشبوهة أو استغلال معلومات مصرفية أو تضارب مصالح بحاجة إلى تدقيق جاد من الجهات الرقابية والقضائية".
ويشير الخبراء إلى أن "وجود شبهات أو اتهامات لا يعني ثبوت ارتكاب جريمة، إلا أن استمرار تداول هذه الملفات من دون إعلان نتائج واضحة للتحقيقات السابقة يفتح الباب أمام المزيد من التساؤلات، ويجعل إعادة فحصها أمراً مهماً لحسم الجدل، سواء بإثبات المخالفات أو نفيها".
اتهامات بصفقات مشبوهة
وتبرز شركة درهم دبي ضمن الشركات التي سبق أن ورد اسمها في تصريحات برلمانية تحدثت عن وجود شبهات تتعلق بعملها، من بينها اتهامات بعقد صفقات وصفت بأنها مشبوهة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن "مثل هذه الاتهامات تحتاج إلى تفكيكها من الناحية القانونية والمالية، وعدم الاكتفاء بوصف الصفقات بأنها مشبوهة، إذ ينبغي تحديد طبيعة العمليات، والأطراف المشاركة فيها، وقيمتها، والجهات التي أجازتها، وما إذا كانت قد تمت وفق الإجراءات والتعليمات النافذة".
ويقول مختصون إن "التحقيق في أي صفقة مالية مثار شبهة يجب أن يشمل كذلك مصادر الأموال، ومسارات التحويل، والمستفيدين الحقيقيين، وطبيعة العلاقة بين الأطراف، فضلاً عن معرفة ما إذا كانت هناك معلومات داخلية استُخدمت في تنفيذ تلك الصفقات".
ويؤكد الخبراء أن "وجود صفقة كبيرة أو تحقيق أرباح من عملية مالية لا يشكل بحد ذاته دليلاً على الفساد، وإنما يتطلب الأمر إثبات وجود مخالفة قانونية أو استغلال للمنصب أو معلومات داخلية أو منفعة غير مشروعة".
اتهامات بتسريب معلومات عن المصارف
أما شركة الفنجان، فقد ورد اسمها في تصريحات برلمانية سابقة ضمن اتهامات تضمنت الحديث عن تسريب معلومات تتعلق بالمصارف العراقية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن "هذه الاتهامات، في حال ثبوتها، تمثل جانباً بالغ الحساسية، نظراً إلى قيمة المعلومات التي تتوافر لدى المؤسسات المالية والرقابية".
ويشير المختصون إلى أن "المعلومات المصرفية قد تتعلق بالوضع المالي للمصارف، أو الإجراءات الرقابية، أو المخالفات، أو التحويلات، أو القرارات التي لم تعلن بعد، وبالتالي فإن وصولها إلى جهة تجارية بصورة غير مشروعة قد يمنح تلك الجهة أفضلية على بقية المنافسين".
لكن الخبراء يشددون على ضرورة "إثبات واقعة التسريب بالأدلة، من خلال تحديد طبيعة المعلومات، ومصدرها، والجهة التي حصلت عليها، وكيفية انتقالها، وما إذا كانت قد استُخدمت لتحقيق منفعة مالية أو تجارية".
وتبقى تلك الاتهامات، وفق الأصول القانونية، ادعاءات وتصريحات سياسية لا ترقى بمفردها إلى حكم قضائي بالإدانة، ما لم تثبتها الجهات التحقيقية والقضائية المختصة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن "إعادة طرح أسماء شركات الصيرفة المرتبطة بشبهات فساد يجب أن تكون فرصة لفتح الملفات بصورة مؤسساتية، بدلاً من استمرارها كسجال سياسي وإعلامي".
ويقول الخبراء إن "السؤال الأهم يتمثل في معرفة ما إذا كانت الجهات المختصة قد فتحت تحقيقات رسمية بشأن الشبهات التي أثيرت حول الشركتين، وما إذا كانت تلك التحقيقات قد اكتملت، وما النتائج التي توصلت إليها".
ويضيفون أن "الرأي العام بحاجة إلى معرفة مصير الملفات السابقة، خصوصاً إذا كانت هناك لجان تحقيقية شكلت للنظر في المخالفات".
ففي حال ثبتت المخالفات، يجب اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين، أما في حال عدم ثبوتها، فإن إعلان ذلك بصورة واضحة من شأنه أن ينهي الجدل ويحمي الشركات والأشخاص من استمرار الاتهامات.
الصيرفة.. قطاع حساس في الاقتصاد العراقي
وتأتي هذه القضية في ظل الدور الكبير الذي تلعبه شركات الصيرفة في الاقتصاد العراقي، سواء في مجال تبديل العملات أو التحويلات المالية أو التعاملات المرتبطة بالسوق المحلية والخارجية.
ويرى اقتصاديون أن "طبيعة هذا النشاط تجعل الرقابة على الشركات العاملة فيه ضرورة أساسية، ليس فقط لمنع الفساد، وإنما أيضاً لمنع غسل الأموال والعمليات المالية غير المشروعة، وضمان سلامة حركة الأموال".
ويؤكد المختصون أن "الرقابة يجب أن تشمل الملكية والإدارة والمستفيدين الحقيقيين، فضلاً عن العمليات المالية والتحويلات الخارجية ومصادر الأموال".
كما يشددون على "ضرورة الفصل بين الجهات الرقابية والشركات الخاضعة للرقابة، بما يمنع أي احتمال لتضارب المصالح".
لماذا تعود الملفات إلى الواجهة؟
ويقول مراقبون اقتصاديون إن "عودة الحديث عن هذه الملفات تأتي نتيجة تراكم الأسئلة حول أداء بعض شركات الصيرفة، إضافة إلى الحاجة إلى تعزيز الثقة بالقطاع المالي".
ويشيرون إلى أن "بقاء الاتهامات من دون حسم قد يضر بالشركات نفسها، فضلاً عن الإضرار بسمعة القطاع بأكمله".
فإذا كانت شركة ما تواجه اتهامات بالفساد من دون صدور حكم قضائي أو قرار رقابي نهائي، فإن استمرار تداول الاتهام قد يؤثر على سمعتها، بينما يؤدي عدم الكشف عن نتائج التحقيقات إلى إبقاء الشكوك قائمة.
ولهذا يرى الخبراء أن الحل يكمن في التحقيق الشفاف وإعلان النتائج.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الاتهامات، بصرف النظر عن نتائجها النهائية، تستوجب التعامل معها عبر المؤسسات المختصة، من خلال مراجعة الملفات والوثائق والتحقيقات السابقة، والكشف عن نتائجها، وتحديد ما إذا كانت هناك مخالفات فعلية أم لا.
وبينما تبقى براءة الأشخاص والشركات هي الأصل إلى حين ثبوت الإدانة قضائياً، فإن استمرار وجود شبهات من دون حسم لا يخدم القطاع المالي، فيما يمكن للتحقيقات المهنية والقضائية أن تحسم الجدل، سواء بإثبات المخالفات ومحاسبة المتورطين، أو بإعلان عدم ثبوتها وإنهاء الملف بصورة قانونية واضحة.
وبحسب الخبراء، فإن المطلوب في المرحلة المقبلة هو رقابة أقوى، وشفافية أكبر، وحماية للمعلومات المصرفية، ومنع تضارب المصالح، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، بعيداً عن التسييس أو تصفية الحسابات.